«مكتب البريد» قصة كاتب كتبَ الحياة
«مكتب البريد» قصة كاتب كتبَ الحياة
نسرين بلوط
Tuesday, 27-Nov-2018 06:52
تشارلز بوكوفسكي، كاتبٌ أميركي من جذور ألمانية، لم تنبثق موهبته من العدم أو من التشتّت الذهني لرسم دائرة الحدث، فهو روائي متمكّن بدأ بالشعر وهو ساعي بريد ولم تظهر أوراق ابداعاته إلّا بعد سنوات طويلة من الكتابة والكد والجهد.

عانى هذا الكاتب في طفولته من الإعتداء الجسدي عليه من والده الذي كان عاطلاً عن العمل وبثّ شرارات غضبه في جسد طفله الصغير من خلال جلده اليومي له بالسوط، ولم تحرّك أمه ساكناً ازاء هذا الأمر الخطير، فخلق في روح الطفل نوعاً من العدوانية وعدم الثقة تجاه النساء. نلمح تلك العقدة السيكولوجية في ثنايا رواياته التي تمرّ أحداثها على علاقته بالنساء مرور الكرام وكأنه لا يأبه بهن عندما يهجرنه أو يقررن عدم التحدث إليه من جديد.

سيرة ذاتية
في روايته «مكتب البريد»، يسرد بوكوفسكي سيرته الذاتية الحقيقية في عمله الطويل في مصلحة البريد الذي يضجّ بالفضائح من التعذيب النرجسي من قبل الرؤساء للمرؤوسين والرشاوي والبيانات والأسرار.
تتضمّن الرواية قصة الكاتب الحقيقية في عمله في مكتب البريد، ويتطرّق إلى مسألة فرز الرسائل بأسلوب تشويقي يعبّر عن العذاب الذي تكبّده في سبيل تعلّم هذه الأمور الصعبة، وجداول التوزيع وغيرها، وساعات العمل الطويلة الباهظة الثمن على حساب اعتلال جسده وصحّته، وظلم مدرائه في العمل في كتابة تقارير جائرة عنه جرّاء تأخره بضع دقائق عن توزيع الرسائل بكمِّ هائل.
وقد استقال من العمل في البريد بعد انفصاله عن حبيبته بيتي، ثم عاد إليه بعد زواجه من فتاة غنيّة تفرض عليه العمل حتى لا تظنّ عائلتها بأنّه طامعٌ في ثروتها الكبيرة، ولكنها لا تلبث أن تطالب بالطلاق وتحصل عليه، فيستمرّ هو في العمل المرهق الذي يشبه الأشغال الشاقة المؤبّدة في السجون، ويتلهّى قليلاً من خلال رهانه على سبق الخيل، الذي يكسب منه الكثير من المال ويهدره سريعاً، بنفس السرعة التي أتى بها. في هذه الأثناء يلتقي بحبيبته بيتي من جديد، ولكنها لا تلبث أن تموت بعد أن غرقت في بحر الإدمان للكحول، وهنا لا يفرد بوكوفسكي مجاذيف الحزن في سفينة الموت، رغم تعلّقه بها، فهو بالكاد يتطرق إلى تلك النكبة وكأنها لا تعنيه.

لامبالاة المشاعر
فهو يسردُ علينا قصصه مع النساء بأسلوبٍ جامد، يوحي باللامبالاة، دون أيّ تصعيد في المشاعر أو إظهار المعاناة الإنسانية الطبيعية عند فراق الحبيب، فهو يحبّ ويُهجَر فينسى ثمّ يلتقي بامرأة أخرى فيتزوّجها ولا تلبث أن تنفصل عنه دون استشارته ولا يهتم، ثم تموت حبيبته الأولى، ولا يلبث أن يقيم علاقة بامرأة ثالثة وتنجب له طفلة ولكنها تذهب للعيش معها في مدينة أخرى، وهو ساكنٌ راكدٌ لا يتحرّك أمام تلك العواصف الرنّانة التي تجتاح كيانه، فيبدو متصلّباً منساقاً للقدر بحتمية مرهقة، وكأنّ نقص الحنان من جانب والدته والذي تعرّض له في طفولته، جعل منه إنساناً بوهميّاً منساقاً للرتابة والصلابة العاطفية.
الرواية هي قصة بوكوفسكي الحقيقية، وقد أنهاها باستقالته من مكتب البريد بعد إحدى عشرة سنة، قضاها في تخبّطٍ مرير مع أناس لم يحتمل أسلوب حياتهم، فمنهم مَن يدّعي الثقافة ومنهم مَن يعشق التباهي والتفاخر والتسلّط، ومنهم مَن يحاول دائماً أن يحطّ من قدر الآخر في سبيل إرضاء غروره الذاتي، وكأنّه عالمٌ مصغّرٌ لعالمنا الكبير بخصائصه وحواشيه وعقده، وأنهى الكاتب فصولها بعزمه على كتابة رواية بعد إفراطه في الغرق في آتون الشرب والعربدة.

السرد التشويقي
والحقيقة بأنَّ سبب تركه للعمل هو أنّ الناشر جون مارتن صاحب دار النشر «بلاك سبارو» قد عرض عليه أن يترك عمله في البريد ويتفرّغ تماماً لكتابة الروايات، في عقدٍ حكري للدار. وقد تكبّد هذا الناشر الكثير من الضغط جرّاء تكفّله التام بنفقات بوكوفسكي من إيجار وطعام ومسكن ونفقة لطفلته الصغيرة، ولكنّه قام بالمجازفة لثقته بموهبة الكاتب الذي لم يخذله، وما لبثت أعماله أن انتشرت في جميع أنحاء العالم.
تشارلز بوكوفسكي، كاتبٌ ميّز بين الشعر والرواية، فكتب الشعر وهو يسدل ضفائر الغيم على جبهة السماء، وسرد الرواية وهو يستقي من شلّال الواقع تجهّماته وتوجّهاته وانعكاساته المتعدّدة، وهو الذي قال: «أولئك الذين كانوا يكتبون الأدب، لم يكتبوا الحياة»، أما هو فكتبها كما عاشها وخبرها واختبرته، وجاءت تجربته رائدة في مجال السرد التشويقي.

theme::common.loader_icon