رانيا زغير في «هولا هوبها» الخاص
رانيا زغير في «هولا هوبها» الخاص
منال عبد الأحد
جريدة الجمهورية
Tuesday, 03-Apr-2018 00:05
تغرّد الكاتبة والناشرة اللبنانية رانيا زغير خارج السرب المُتعارف عليه في عالم أدب الأطفال، فهي تصرّ على أنها لا تنتمي لأيٍّ من الدوائر الأدبية التي تحتضن كتّاباً آخرين، إنما هي تعيش في «هولا هوبها» الخاص، نافية أيّ رغبة لديها في أن تحتضنها الدوائر الأدبية خشية أن تخنقها، فهي تحسّ بها حلقةً حول عنقها.

لا تتفنّن زغير في الحديث عن البدايات، فهي لا تنسج لنفسها خيوط طفولة نموذجية حيث المكتبة المدرسية والصفّية وساعة المطالعة الحرة، الأمور التي لم تتوفر لها يوماً في صغرها، وتتحدّث بواقعية وصراحة عن أنّ مصدر إلهامها اقتصر على الحكايات التي تناقلتها ألسن الأم والخالات و«العدّيات» التي كان الوالد يردّدها. هذا فضلاً عن «الصبحيات» التي لا تتنكّر لها زغير بل تمنحها دوراً فعالاً في ترسيخ فنّ الحكي وزرع بذور النتاج الأدبي لديها.

لقد نشأت زغير في ظلّ تعطّش بالغ للكتب غير المدرسية حاولت أن ترويه عندما كبرت ككاتبة وناشرة تبدع المؤلَّفات وتبتكر المبادرات القرائية، وتنتج إصداراتها بعناية بالغة تماماً، كما يلتقط «الجوهرجي» بملاقطه الدقيقة الأحجار الكريمة ليصنع منها تحفته.

كلّ مشروع إنطلاقة جديدة

وفي الحديث عن البدايات، تتوقّف عند الاحتكاك الرسمي الأول مع إنتاج الكتاب، حين كانت طالبة تتخصّص في علم النفس التربوي، في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث طُلِب منها أن تُنجز كتاباً، ففعلت ونشرته بنفسها، لتتلقّفها دور النشر التي سرعان ما ملّت زغير من رتابتها في التعامل مع أدب الأطفال، وقرّرت أن تؤسس داراً خاصة بها، هكذا دون خطة مرسومة مسبقاً وبالفراسة التي لطالما اتّسمت بها زغير، فأطلقت دار الخياط الصغير في كانون الأول من العام 2007.

تصرّ زغير على أنها ما زالت في بداياتها وتودّ أن تعتبر كل مشروع انطلاقة جديدة، فلا تسجن نفسها في الحديث عن خبرتها وباعها الطويل في هذا المجال بل تعتبر كل عمل بداية جديدة. ولعلّ هذا ما يمنحها السمات المتعدّدة التي تتميّز بها.

فعمر زغير في مجال صناعة أدب الأطفال قد ناهز العشرين عاماً من أصل بضعة عقود هي عمر هذه الصناعة في العالم العربي، نجحت خلالها دار الخياط الصغير في أن تكتشف الرسّامين الموهوبين وتصدّرهم إلى الدور الأخرى وإلى العالم، وساهمت في رفع مستوى أدب الأطفال في لبنان والعالم العربي ووضع معايير جديدة له، وهذا دائماً حسب زغير.

أما عن الإصدارات فتقول إنّها مقلّة جدّاً فيها بحيث لا تتجاوز الكتابين سنوياً، في حين يطرح المؤلفون ودور النشر الأخرى عشرات العناوين في الأسواق كل عام. وذلك انطلاقاً من أنّها ترى في كلّ كتاب اختراعا قائماً بذاته، تمنحه الوقت والعناية اللذين يستحق ليتمّ إنتاجه بحرفية عالية، فهي تحبّ أن يتلقّف الصغار والكبار مؤلّفاتها وأن تزرع من خلالها الابتسامة على الوجوه، وتسلّي بذكاء دون أن تعظ أو تربّي بالمعنى التقليدي للكلمة.

الملل والنمطية

وعن وضع أدب الأطفال في لبنان، لا تخفي زغير أنّ الملل والنمطية يتسلّلان إليه. أمّا عن عملها فتتوقّف مليّاً عند «حلتبيس حلتبيس» الكتاب الذي تراه حرّاً متفلّتاً من القيود والضوابط المفروضة علينا، و»من لحس قرن البوظة» الكتاب الذي تمّت ترجمته إلى 20 لغة وبيعت منه حوالى 100 ألف نسخة محلياً وإقليمياً وعالمياً.

هذا وقد تمّ إنتاجه في شريط مصوّر من الرسوم المتحرّكة من قبل إذاعة «سي بي بي سي» التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، و«خخخخ كتاب ليس عن حرف الخاء» الذي صُنِّف ضمن الكتب الأكثر مبيعاً حول العالم من قبل The Economist .

فكرية

وتتحدّث زغير عن كتابها الأخير «فكرية» الذي صدر حديثاً وقد جاءت فكرته انطلاقاً من أنّها تبحث عن الأفكار باستمرار، وترى فيه حكايتين، الأولى حكاية «فكرية» وهي في طور البحث عن أفكارها، والثانية قصتها بعد أن وجدت أفكارها وكيفية تعاملها معها. إذ تشغل زغير هذه الفترة هواجس كبيرة كالكون والكواكب والنجوم وقد تجلّى ذلك واضحاً في طريقة بحث فكرية.

في الكتاب، تبدو فكرية ساخرة، سريالية ورومانسية في آن تشغلها الصراعات الدائرة حولها فيزخر بالتلميحات الثورية:

«عَنْ كلِيُوبَترَا الفِرعَونِيّة.

تُريدُ فِكْرَةً «واااو!»
عَنْ الأَفَارِقَة أَبطالِ المَاوْ مَاوْ.

تُنَبِشُ فِكْرِيَّةٌ عَنْ فِكرةٍ ثِورِيَّةٍ:
حِكايَةُ شَعْبٍ يَلبَسُ فِي الشِّتَاءِ قِمصَاناً صَيفِيّةً،
شَعبٍ يَهْتِفُ بِصَوتٍ وَاحِدٍ: «حُريّة! حُريّة!»

أمّا رسوم الكتاب فقد ابتدعتها نيلوفار أفنان متّخذة تيمة التنقيط بعيدًا من كل ما هو مستهلك ومتكرّر. ويعالج الكتاب بأسلوب السهل الممتنع تلك الصراعات التي نعيشها في حياتنا لحظة اتّخاذ قرار ما.

تتمنّى زغير أن تصبح فكرية اسماً تتناقله الألسنة وأن يحبّ الناس شخصيتها التي تراها لامعة وجذّابة.

حصان طروادة

وعن كتبها عموماً، تقول زغير إنها حصان طروادة الذي مكّنها من أن تجوب العالم، إذ استُقبِلت بتقدير وحبّ أينما حلّت. فهي عندما أسست «الخياط الصغير» لم تستثمر فيه مادياً، بل وضعت فيه حبّاً وجهداً وإبداعاً ودموعاً وابتسامات ليصبح لها موروثها الأدبي الخاص الذي تعتزّ به، فطبّقت بالتالي أركان الاقتصاد الإبداعي الذي يجري الحديث عنه اليوم.

هذا وتتحضّر زغير لجولتها الأدبية المقبلة بدءاً من معرض تونس الدولي للكتاب، مروراً بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب ووصولاً إلى المهرجان المتوسطي للكتاب الذي يُقام في سبليت- كرواتيا في أيار المقبل.

وختاماً تجدر الإشارة إلى أنّ زغير حائزة على جوائز عدة نذكر منها جائزة مؤسسة «أنا ليند» الأورو متوسطية للحوار بين الثقافات عام 2011، جائزة مهرجان برلين الدولي للأدب عام 2015 - فئة الكتب الخيالية عن كتابها «حلتبيس حلتبيس» وجائزة معرض بيروت الدولي للكتاب عام 2017 عن كتاب «بيروت» – فئة أفضل كتاب أطفال.

theme::common.loader_icon