إميلي نصر الله: لا أزال فلَّاحة وسأبوح بكلّ شيء
إميلي نصر الله: لا أزال فلَّاحة وسأبوح بكلّ شيء
نسرين بلوط
Thursday, 23-Jul-2015 00:00
إميلي نصر الله... إسمٌ أنثويّ يخطر في الساحة الأدبية كهبّات التوق إلى حضن المساء الذي تندحر فيه آخر هبّات اللظى بعد يوم قائظ طويل. هامة أدبية انبثقت من لفحات الطبيعة التي لم تعتق في زمنها النساء من أسرهنّ وتوقهنّ للانسكاب في مدى الحريّة، بل حبست أنفاسهنّ في قمقم من أساطير التقاليد الخرافية الشاردة في العتمة. فاخترعت في ريفها بدعة من كلمات عنوانها «طيور أيلول»، تطير من ثقبها إلى النور لتستحيل البدعة إلى متعة. ويصبح ضيق الرقعة التي خطّت فيها أوّل كلماتها مساحات شاسعة من السرعة، تشبه سرعة الضوء حيث حلّقت وأبدعت وانحنت لها رؤوس أدبية عملاقة في ذاك الوقت، تشهد بأنها استطاعت أن تخدم الأدب بكلّ شفافية ورهافة حسّ وسلاسة تعبير. معها كان هذا اللقاء الذي عبرنا فيه معها الزمن إلى زمن الكلمة والدهشة.
• بنت الريف التي ثارت ودعت للتحرّر من أغلال العبودية، أين هي اليوم؟

أنا لا أزال فتاة ريفية ولم أتغيّر. سكنت منذ عام 1953 في بيروت، ولكنّ أفكاري وحتى أحلامي تعود إلى هناك، إلى المكان الأول. وأنا الآن أكتب رواية عدتُ فيها إلى بداياتي، إلى أولى مراحل عمري ولا أجد نفسي فعلاً في الواقع إلّا في ذلك المكان الأول.

• أين هي الأديبة إميلي نصر الله من الحداثة الإلكترونية، وهل دخلت هذا العالم أم ما زالت وفيّة للكتب الورقية؟

أنا لست منها. لا أزال فلّاحة تكتب، ولا أستخدم التقنيات العصرية وأنا لا أفاخر بأنّي فلاحة تكتب، ولكني ضد الآلي لأنه حال نفسيّة عندي. ربما يعود ذلك إلى نشأتي القروية الأولى. لهذا لم أستطع بل لم أشأ أن أتعلم الأساليب الجديدة أو آخذ بها.

ما زلت أكتب على الورق وبالقلم الذي يجب أن يكون سَخيّ الحبر كي يسعفني ولا يؤخّرني. طبعاً لا أفاخر بأنني أجهل التقنيات الحديثة، ولكنه الواقع وهذا وَضعي. والكتاب الورقي هو الكتاب الحقيقي، ولا أجيد القراءة إلّا فيه، وأظنّ أنه سيبقى على رغم الأدوات المستحدثة.

• ميخائيل نعيمة أثنى على روايتك «طيور أيلول» ورأى فيها انعكاساً تاماً لحياة الريف. إلى أيّ مدى يسكنك هاجس الريف؟

أنا فتاة ريفية ولم أتغيّر. اكتسبتُ من المدينة إضافات كثيرة عن طريق العلم والمعرفة والانفتاح والتوسّع في قبول الأفكار الجديدة. ولكني بقيت تلك الفتاة الريفية ببساطتي وأحاول طوال الوقت أن أتعلّم من وجودي في المدينة.

كتبت رواية «طيور أيلول» في مكتب الصديقة أنجيل عبود، والتي كانت كاتبة وروائية من حلب وصاحبة أوّل دار نشر في لبنان واسمه «دار الأهلية». وهي الوحيدة التي قبلت أن تنشر لي بعد أن رفض الكتاب الكثير من الناشرين بسبب محاسبتهم لي على عدد الصفحات. فكانوا يجادلونني بأنّ هذا الكتاب سوف يباع بهذا الثمن فنَفرتُ من هذا الأسلوب التجاري أنا التي وضعتُ روحي ونفسي وآمالي في كتاب ثم يأتي من يقيّمه بعدد الصفحات.

• بماذا تختلف كتابة المرأة الشرقية عن المرأة الغربية؟

كانت كتابة المرأة الغربية في الماضي تشبه أيضاً كتابة المرأة الشرقية. فأنا اطّلعت على كتابة الرائدات في الغرب حين بادرت بكتابة كتاب في 6 أجزاء يحمل اسم «نساء من الشرق ومن الغرب»، وبين هؤلاء النساء اللواتي كتبت عنهنّ عدد كبير من الكاتبات الغربيات. ولم أجد اختلافاً كبيراً بينهنّ وبين الشرقيات. الكتابة هي حال فردية، ولكن إذا كانت المرأة تكتب بصدق وإخلاص، وتكتب نفسها، تصِل رسالتها إلى الآخر وربما تكون كمرآة تعكس صورتنا أيضاً.

الكتابة الحقيقية هي التي تعكس وضع الفرد والمجتمع وتعرّف عن مجتمعها الخاص وتُدخلنا إلى ذاتية المرأة والحالات التي تعيشها. نحن في الشرق حريتنا مقيّدة، ولكني لست مع الحريّة المطلقة لأنّ فيها محاسبة للذات ومسؤولية، وهي ليست انفلاتاً. حرية المرأة هي حرية الإنسان وحرية الرجل أيضاً، فالرجل ليس حرّاً في مجتمعنا أيضاً. إذاً الحرية هي مسألة ذاتية وشخصية وفردية وليست في المطلق.

• هل تعتبرين رواية «طيور أيلول» الأقرب إلى نفسك؟ وأيّ من رواياتك تختارين لتعكس مرآة حياتك؟

كلّ ما كتبته هو انعكاس لِما عشته. يعرفوني عادة بصاحبة «طيور أيلول» مثلما يعرف الأب والأم بالولد البكر، حتى أصبحت كنيتي. ربما هناك ما هو متفوّق على «طيور أيلول» فنيّاً أو روائيّاً، ولكن بقيت تلك الرواية تعكس مجتمعنا الريفي والهجرة وما زال لها نفس الطعم ونفس المعنى حاليّاً مع أنّ عمرها 53 سنة، وطبعت 14 مرة، وآخر طبعة كانت مع تسجيل بصوتي وقرأتها لمدة 5 ساعات. وتبقى «طيور أيلول» مثل غيرها من رواياتي، فالأم لا تسأل أيّ من أطفالك هو الأقرب إليك، ولكنّها الولد البكر، فينادونني بـ»أم طيور أيلول».

• هل روح الطفلة ما زالت تسكن في أعماقك؟

أنا كتبت للفتيان والفتيات، والكتابة تختلف هنا لأنّي أكتب رواية أراعي فيها بساطة اللغة وبساطة الأسلوب وما يشدّ الفتى أو الفتاة إلى القراءة، أيّ التشويق والمغامرة ... وكتبتُ للأطفال بالكثير من البدائية لأني أكتب قصّة بسيطة قصيرة تُبهجهم وتفرحهم مثل «أندا الخوتا» و»أين تذهب أندا؟» و«شادي الصغير»، الذي سوف يصدر قريباً في ستة أجزاء في مطلع الخريف المقبل عن مؤسسة هاشيت أنطوان.

عندما بدأت أتعلم الكتابة في المدرسة الابتدائية، وكيف أركّب الحروف على بعضها، بدأ خالي يعطيني مواضيع إنشائية لأكتبها ويصحّحها لي. وبفضله، استوعبتُ أنّ عملية الكتابة هي عملية مهمّة جدّاً لأنك تعبّرين عن نفسك بواسطة قلم وتتفاهمين مع عالمك عن طريق الكلمة المكتوبة ويستطيع أن يقرأك غيرك بسهولة وشفافية.

• ما رأيك بظاهرة تعدّي الكتّاب على الساحة الثقافية والتربّع فيها؟

مثلما أطلب الحريّة لنفسي أطلبها للآخرين، ولكني لست ناقدة أدب. لا أصنّف نفسي في موقف النقد الأدبي، فهو ليس اختصاصي. إذا انتقدت أنتقد العمل بيني وبين نفسي لأجيز قراءته أو أطرحه جانباً لأنه لا يعجبني. كلّ عمل يحملك إلى مكان معين.

أنا أحب الكتّاب الأسلوبيين وإذا لم يعجبني الأسلوب أرفضه من السطر الأول، وإذا أعجبني أتابع القراءة. هذا هو حكمي على الكتاب. أحياناً نرى أنّ التاريخ ينصف الكاتب وأحياناً لا. فهناك كتّاب يصلون عن غير طريق الإنصاف، خصوصاً في مجتمعنا حيث المسايرة والصداقة التي تلعب دورها مثل العداوة تماماً.

فأنا أذكر حين صدرت رواية «طيور أيلول»، إلى جانب مَن امتدحها من الشعراء والكتّاب الكبار، كان هناك الكثير ممّن انتقدها بطريقة غير عادلة، حيث كتب أحد الأشخاص عن الرواية مثلاً بأنها كتابة إنشائية كتلميذة مدرسة.

لكن عندما يكون المرء مقتنعاً بما يفعله، يصل إلى هدفه، وأهم شيء أن لا نغشّ أنفسنا وأن نتعامل بصدق مع أفكارنا وأحاسيسنا، ولا نؤخَذ بالمديح أو بالتجريح، بل نمضي إلى هدفنا بثقة ولا نتوقف عند من يشيد بالمديح ويبالغ أو بالتقبيح والنقد.

• هل تعتقدين أنّ الأديب بطبعه يميل إلى العزلة؟

أنا بطبعي أحبّ العزلة ولست اجتماعية كثيراً... وأذكر في أيام طفولتي أنني كنت أحبّ الجلوس في زوايا الصالون في المناسبات حتى لا يراني أحد. ولا تزال الوحدة من بعض طباعي. طبعاً أحب الناس وأخرج إليهم ولكني أحبّ عزلتي لأنّ العزلة بطبع الكاتب، فالكتابة هي حال اعتزال واعتكاف مع الذات وإذا لم تعودي إلى أعماقك وإلى حالك الذاتية لا تستطيعين الكتابة، خصوصاً في الصخب الخارجي. عشت حياة عادية ولكني لا أزال أفضّل العزلة على الصخب الاجتماعي.

• هل كان زوجك صديقاً مقرّباً منك؟

كان زوجي من أقرب الأصدقاء إليّ. كان زوجي ورفيقي وصديقي ومشجّعي، وبفضله استطعت أن أتابع عملي في الكتابة لأنه كان يتحدّاني دائماً، وحين يقرأ عملاً لي يقول لي تستطيعين أن تكتبي أفضل. لزوجي فيليب فضل كبير في ما وصلتُ إليه من تأليف ومن نجاح في أعمالي، لأنّ رفقة الزوج مهمّة جدّاً وخصوصاً في مجتمعنا. كان فيليب يمدّني بكل الثقة ويتحدّاني في بعض الأحيان في أنه بإمكاني أن أتجاوز نفسي، وأن أكتب أفضل ممّا كتبت سابقاً.

• هل تأثرت بعد رحيله وأحسست بنقص في حياتك الأدبية؟

هو رحل جسديّاً ولكنه باق معي بروح السخرية والنكتة التي كان يمتلكها. حتى إنه لا يزال يسخر مني حين يبصر دموعي، وما زلت أسمعه يقول: «إنتِ مش عيب تبكي؟» لا، فيليب لم يفارقني...

• لماذا بقي ديوانك اليتيم «همسات» يتيماً؟

بدأت أكتب نصوصاً شعرية، ثم وجدت أنني لست شاعرة وتجذبني الرواية أو القصة أكثر، ولكني كنت أجد فيها منفّساً لخواطري في الكتابات الشعرية. وأنا لا أدّعي أنني شاعرة.

• ما هي الحكمة التي سقتك إيّاها الحياة؟ وهل تضمّها روايتك الجديدة التي بدأت بكتابتها؟

الحكمة هي أن نعمل قناعاتنا ولا نغشّ أنفسنا، وهذا مهمّ جدّاً في أيّ عمل كان، سواء كنّا نحرث الأرض أو نرسم أم نكتب. المهمّ أن نكون مخلصين لذواتنا قبل إخلاصنا مع الآخرين، وأن نكوّن ثقة بعملنا وبأنفسنا وأن نعمل برأي الآخرين ممّن حولنا، وتحديداً الذين يشجعوننا بإخلاص ومحبّة.

المهمّ أن نكون على ثقة بهذا العمل وأن نقوم به بشغف ومحبّة، فالعمل الذي لا يغمره الإحساس وتتوغّل فيه الحرارة ويخرج من الأعماق ومن الشوق للتواصل مع الآخر ومع الكون لا يصِل إلى أحد. سوف أتناول في روايتي التي أكتبها حاليّاً كلّ خصوصياتي، حتى العاطفية منها.

فهناك أشياء سكتُّ عنها وسوف أخرجها إلى النور، لأنّ هناك أشياء نُبقيها في السرّ أحياناً ولا نخرجها للعلن على رغم أنها ليست معيبة إن أخرجناها، ولكنها تعطي درساً للآخرين. في هذه الرواية سأبوح بكلّ شيء كنت محتفّظة به.