«الجمهورية» في البوسنة والهرسك: المدافع صمتت والحرب مستمرة
«الجمهورية» في البوسنة والهرسك: المدافع صمتت والحرب مستمرة
مي الصايغ
كاتبة ومحررة شؤون عربية ودولية 
التحصيل العلمي: دبلوم علاقات دولية ودبلوماسية -إجازة في العلوم السياسية والادارية
Thursday, 12-Apr-2012 17:46
سكتت أصوات المدافع وتوقف رصاص القناصة، لكنّ النفوس لم تهدأ بعد في جمهورية البوسنة والهرسك، التي تعيش منذ تشرين الثاني 1995 حرباً داخلية باردة، بعد اجتيازها مرحلة الحرب المستعرة.
عشرون عاماً مرت على اندلاع الحرب الاهلية، لكنّ ذكرياتها الأليمة لا تزال حية في مخيلة ابناء هذه الدولة المتعددة الاعراق، التي تجمع في كنفها البوسنيين المسلمين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك.

يقول نيرمين تفليك المخرج المسرحي الذي فقد ساقيه في 10 حزيران 1992- في انفجار استهدفه خلال الشهر الاول من بدء الحرب- لـ"الجمهورية": "الناس لم يتعلموا من الحرب الاهلية. انا مسلم بوسني، لكني لا أعرف دين زوجتي ".

يقارن نيرمين بين اليوم والامس، حيث كان يعتبر أنّ الأمور كانت أفضل حالاً في ظل الحرب، على رغم سقوط ضحايا. ويقول: "كان الناس يحبون بعضهم اكثر، لم يكن هناك حقد، وكنا متحدين".

ويزداد الحقد بين الإثنيات التي تعيش في البوسنة والهرسك اكثر من السابق. ويأسف نيرمين لأنّ "الحقد يقوى كل يوم"، وهو ما يجعله متشائماً، بعدما عمل طيلة فترة الحرب على زرع التفاؤل في قلوب المرضى في المستشفيات، حيث دأب على تفقد الجرحى والمصابين.

تشاؤم نيرمين يعزوه إلى انشغال السياسيين بالعمل لتحقيق مصالحهم الخاصة من دون ان يعيروا ادنى اهتمام لمصالح شعوبهم، وهو ما يجعله قلقا على مستقبل بناته الثلاث.
لم تكد تضع الحرب اوزارها حتى غادر نيرمين الى ايطاليا لتلقّي العلاج، حيث كان يفترض ان يبقى عاماً كاملا، لكنه لم يستطع البقاء لاكثر من ستة اشهر.

ويحمل نيرمين بشدة على الدول الاوروبية، ويقول: "لو ارادت اوروبا أن تتدخل في البوسنة لكانت فعلت ذلك منذ البداية، وليس بعدما أنهكتنا الحرب". ويوضح: "عوض ان يساعد الاوروبيون على بناء دولة ديموقراطية تحترم مواطنيها، سمحوا للسياسيين من البوسنة ويوغسلافيا السابقة في التوصل إلى صفقات لم يلتزمها اي من الطرفين".

وتشارك رئيسة تحرير صحيفة "اوسلوبودجيني" التي ذاع صيتها خلال الحصارعلى سراييفو نيرمين قلقه. وتقول: "إنّ الحرب لا تزال مستمرة بوسائل أخرى، على رغم توقيع رؤساء البوسنة وكرواتيا وصربيا اتفاقات دايتون عام 1995"، التي صيغت بإشراف اميركي، وتضمنت "وقفاً لإطلاق النار"، والاتفاق على دستور للبلاد، يؤكّد تعايش "كيانيْن" في البوسنة، هما "جمهورية صبرسكا" والاتحاد الكرواتي ـ الاسلامي، اللتان مزقتهما ثلاثة أعوام من أعمال التطهير العرقي.

فالبوسنة المنبثقة من اتفاقات دايتون أُعلنت "موّحدة" شكلياً، مع بقائها مقسّمة فعلياً، وعبورها مرحلة الحرب المستعرة نحو "حرب باردة داخلية".

الناشطة الشابة الديانا اوكريك تقول: "الحرب فعلياً انتهت، لكن اين نحن الآن؟ الوضع سيء، إنه سلام، لكن اي نوع من السلام"؟ وتضيف بنبرة حماسية: "روحنا انتصرت في نهاية المطاف على رغم كل المآسي، وجلّ ما نريده هو دولة قوية موحدة ونرفض الانفصال، هذه سخافة". وتتساءل ما الذي أصاب السياسيين، نحن لدينا موارد طبيعية ضخمة وجبال ومياه، فلماذا لا نجعل من بلدنا جنة؟"

أمّا الطالبة الجامعية ايرما التي تنحدر من جنوب البلاد، فترتسم علامات الاستنفار على وجهها لدى سؤالها عن هويتها الاثنية. وتقول لـ"الجمهورية": "أنا مواطنة بوسنية اولاً، البلد موحد ولن ينقسم، وكل ما يقال عن الرغبة في الانفصال هو مجرد بروباغندا تقوم بها وسائل الاعلام، محملة بعض الاحزاب السياسية مسؤولية ذلك".

وتوضح ايرما: "أنّ أحد الاحزاب في جمهورية صربسكا يشيع بأنّ صيغة الحكم الحالية غير فاعلة، ويهدد من حين لآخر باجراء استفتاء على استقلال صربيا، الا أنّ المجتمع الدولي يرفض هذا الامر، على قاعدة أنّ اتفاقات دايتون لا تسمح بهذا الخيار، وهو أمر غير وارد في دستور جمهورية البوسنة والهرسك".

وتتابع الجامعية التي خدم والدها جندياً في الجيش البوسني عندما شنّ جيش جمهورية يوغسلافيا السابقة وغالبية عناصره من الصرب، هجومه على البوسنة والهرسك، "أنّ المشكلة الحقيقية في البلاد هي الاقتصاد. اذ لا يمكن للناس أن يهتموا للاثنيات اذا توافرت لهم فرص عمل".

فرص العمل إذاً هي المفتاح السحري لاستقرار الاوضاع في جمهورية البوسنة والهرسك، التي تعدّ اكثر دول اوروبا فقراً حيث يصل معدل البطالة الى اكثر من 40 بالمئة من 3,8 مليون نسمة، يعيش ربعهم تحت حد الفقر وفقاً لأرقام الامم المتحدة. وتقول مديرة منظمة "مبادرة الشباب لحقوق الانسان" غير الحكومية ألما ماسيك: "الشباب يريدون حياتاً افضل وفرص عمل ولا يرغبون في هجرة بلادهم".
وإحياء لذكرى الحصار الذي تعرضت له سراييفو، نظمت مجموعة من شبان هذه المنظمة مسيرة على جسر نهر ميلسيكا تحت عنوان " 7305 يوماً مرت على حصار سراييفو"، هذا الجسر الذي أطلق فيه الرصاص على متظاهرتين وسط مدينة سراييفو، إيذاناً ببدء الحرب التي استمرت ما بين 1992 و1995.

وتقول الديانا: "على رغم مرور عشرين عاماً على اندلاع الحرب، لا تزال ذكرياتها حية في اذهاننا. 11541 ضحية قتلت في حصار سراييفو، بينهم 660 طفلا" .وتتابع: "كانت سراييفو محاصرة من كل الجهات، فبدت اشبه بمخيم، وكانت القذائف تتساقط عليها، وعندما تذهبون إلى وسط المدينة القديمة، تلاحظون آثارالقنابل والدماء. فهناك مساحات مصونة في شوارعها حيث تجمدت الدماء، وقد اطلق عليها اسم"الورود الدامية".

وتنتقد الديانا محاولة السلطات إزالة هذه المساحات التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الحرب، في بلد شهد أسوأ أعمال وحشية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وقتل فيه أكثر من مئة ألف شخص واضطر نصف سكان البوسنة الى مغادرة بيوتهم. وقد نظمت "مبادرة الشباب لحقوق الانسان" اعتصامات عدة للحفاظ على هذه المعالم.
المقاعد الخالية

أمّا الحدث الأبرز، فكان من دون أدنى شك الحفل الفني الكبير الذي اقيم وسط العاصمة سراييفو، حيث عزفت أوركسترا أمام آلاف من المقاعد الخالية، التي ترمز إلى عدد القتلى الـ11541 الذين سقطوا خلال حصار سراييفو على يد الجيش الصربي. وامتدت المقاعد الخالية لمسافة 800 متر في شارع رئيسي في وسط سراييفو يحمل اسم الزعيم الاشتراكي جوزيف تيتو مؤسس يوغوسلافيا السابقة الذي حكمها 35 عاماً، والتي أدى تفكيكها إلى تغيير الخريطة السياسية للمنطقة.

وفيما تجاهل الصرب الذين تتمتع جمهوريتهم بحكم ذاتي، الذكرى الرسمية لاندلاع الحرب، لا تزال صورة الحصار الذي فرضته القوات الصربية، ماثلة في ذاكرة سراييفو. ويمكن مشاهدة مبان هنا وهناك تحمل واجهاتها آثار رصاص كثيف يشهد على ضراوة المهاجمين، وان كانت معظم المباني المهمة اعيد بناؤها.

"جادة القناصة" التي كانت تحيط بها مبان مدمرة شاهدة ايضاً على القصف الوحشي الذي تعرضت له المدينة. جادة تنطلق من امام فندق "هوليداي إن" وتمتد على طول ثلاثة كيلومترات من الشرق الى الغرب، ولم يكن احد يجرؤ على المغامرة، وعبورها خوفاً من القناصة المتمركزين على مرتفعات المدينة، والذين كانوا يستهدفون كل ما يتحرك عليها.
اليوم، تغصّ هذه الجادة بالحركة وقد اصطفت على جانبيها المتاجر وناطحات السحاب.
"هوليداي إن"
أمّا فندق "هوليداي إن" فلا يزال يحتفظ بشهرته كمركز للصحافة الاجنبية، وعلى رغم أنّ القذائف شوهته خلال الحرب، عاد ليكون بين اوائل المباني التي اعيد ترميمها. في هذا الفندق، اجتمع صحافيون من البوسنة والهرسك ومن دول عدة شهدت حروباً اهلية ليحيوا الذكرى الـ20 للحرب، مستعيدين ذكرياتهم الاليمة، من دون ان ينسوا طعم الحساء الساخن الذي دأبوا على تناوله في أمسيات القصف على المدينة.

بين المحتفى بهم رجل يمثل الكرامة لسكان سراييفو أكثر من اي شخص. هو موسيقي أخذ آلته الموسيقية وعزف في الهواء الطلق لمدة 29 يوماً، اكراماً لارواح الضحايا، فيما كان القناصة يتحاربون في الشوارع.

ويقول عازف "التشيلو" فيدران سميلوفتش: "كنا نعزف طيلة الحرب، وكنا على يقين بأنّه على رغم سقوط الآف الضحايا يستحيل قتل الروح فينا"، ويضيف: "اردنا ان نقول للعالم بأسره أنّ كرامتنا ستبقى شامخة وسط تواصل اطلاق النار".

على بعد أمتار قليلة من "هوليداي إن"، نصب عدد من الجنود البوسنيين خيمهم أمام مبنى البرلمان، احتجاجاً على عدم منح الحكومة المركزية للبوسنة والهرسك تعويضات نهاية الخدمة لهم. ويقول أحد الجنود لـ"الجمهورية": "نطالب بقانون يعطي عناصر الجيش البوسني الذين احيلوا إلى التقاعد تعويضات نهاية الخدمة"، ويتساءل: هل يجوز أن نمضي عمرنا في خدمة الجيش من دون منحنا تعويضات؟

في المحصلة، يخال زائر البوسنة والهرسك عندما يستمع إلى راوية ابناء هذا البلد عن الحرب الاهلية وما قاسوه، وعن مرحلة الحرب الباردة التي هم في صددها، أنّ هذه الرواية نسخة مكررة عن الحرب اللبنانية، ولكن بلغة مختلفة. حرب لبنانية تحل ذكراها الـ37 غداً في 13 نيسان من الشهر الجاري، وسط استمرار الانقسام الطائفي بين مكونات المجتمع اللبناني، متلطياً خلف ستار سياسي.