هل الفتنة على الأبواب؟ حذارِ!
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Friday, 27-Mar-2026 07:31

بلغ التأزُّم الطائفي في هذه الأيام أوجه، وهو بات يهدِّد السلم الأهلي فعلاً. وما من مرّة انفلتت الغرائز على هذا النحو من التشكيك والحقد والكراهية، بفعل الشحن السياسي الذي يستحضر مخاوف قد يكون لها سند في وقوعات التاريخ، أو يبتكر سيناريوهات لا وجود لها إلّا في مخيلة المروِّجين لها. التصريحات النارية المتبادلة المثقلة بالحذر وسوء النية، تؤجج النار، وتدفع، ولو ببطء، إلى صدام محتوم. فوسائل التواصل الاجتماعي باتت سداحاً مداحاً للشتّامين الذين ينفخون بجمر الفتنة، ومن يشاهد مقاطع مصورة ملتقطة على: «الواتس» أو ضمن «فيديو»، تسري بين الناس سريان النار في الهشيم يعلو فيها الصراخ والتدافع، ويُسمَع فيها السباب من العيار الثقيل، يستنتج أنّ الحرب وشيكة الوقوع، وأنّ أحداً لن يستطيع وقفها.

هذه الصورة يعيها أركان الحُكم جيداً، لأنّ الأزمة تتعاظم مع اتساع حركة النزوح التي تتلازم مع حركة الاستهداف التي وصلت إلى مناطق لم تكن مدرَجة من قَبل على لائحة العمليات الإسرائيلية. كما تتعاظم أيضاً تداعيات الاحتقان على علاقة النازحين مع بعض الجهات في المجتمعات المضيفة، ويُخشى أن يبلغ التنافر بين هؤلاء إلى مدارات بالغة الخطورة. ومن هنا كان التركيز في الاجتماعات واللقاءات بين كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيسَي مجلسي النواب والوزراء نبيه بري ونواف سلام، والرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي»، النائب والوزير السابق وليد جنبلاط يوم الاثنين الفائت، على التصدّي للتصدّعات الداخلية بين الأفرقاء اللبنانيِّين، والحؤول دون تحوُّلها إلى أحد روافد عدم الاستقرار الذي يفترض في الجميع تحاشيه.

 

كل طرف يُلقي مسؤولية تصاعد التوتر على الآخر ويغسل يده من إثم الإنجرار إلى المكاسرة متذرِّعاً بأسباب شتى. وفي المحصّلة لا بُدّ من الإقرار بوجود مشكلة عميقة يتعيّن على المسؤولين الإنكباب على معالجتها، قبل أن يستفحل الأمر وتصبح وحدة لبنان مهدَّدة، ويمسي عيشه الواحد عرضة للسقوط، وتوشك دولته على الإنهيار.

 

هذا المشهد المكفهر استدعى تحرُّكاً سريعاً بموازاة ما يحصل دولياً وإقليمياً، ليحفظ لبنان رأسه في غمرة المتغيّرات المتوقعة، خصوصاً أنّه لا يزال يحمل من تاريخه القديم والحديث إرثاً من السلبية، ويعيش لعنة الجغرافيا بين دولتَين لم تشكّلا يوماً بالنسبة إليه إلّا مصدر متاعب وأطماع، تنحسر وتتمدَّد تبعاً للسياسات الدولية. وثمة أسئلة يطرحها الواقع حول قدرة أبنائه على نسج مناعة وحصانة تمكِّناه من حماية نفسه في أزمنة التحوُّلات.

 

وترى مصادر واسعة الإطلاع، وذات خبرة في الملف الداخلي منذ نشأة دولة لبنان الكبير، أنّه لا بُدّ من تحرُّك فوري يقوده رئيس الجمهورية تجاه قادة البلاد على اختلاف مواقفهم السياسية، والتداول معهم في الأفكار والآليات التطبيقية من أجل سحب فتائل التفجير، وتجنيب البلاد شراً مطيراً يتربَّص بأبنائها الذين قد ينقادون إليه في أي ساعة، إذا لم يجرِ تدارك أسبابه. وتضيف هذه المصادر، أنّه بالتوازي مع هذا التحرُّك، يفترض أن يكون لرئيس المجلس النيابي دور مماثل، لأنّ مواقفه دلّت إلى حرصه على الوحدة الوطنية، وتجمله بالصبر حيال الضغوط التي تعرّض لها، وهو سيتابع نهجه الإيجابي مهما عظمت عليه الصعاب. فالرئيس بري أكّد وتكراراً، أنّ كل تضحية ترخص لديه أمام صون الوحدة الوطنية.

 

وكان بإمكان الحكومة أن تكون هيئة حوار بين الأطراف الممثلة فيها، لولا الخلافات والتباينات التي تعصف بمكوّناتها السياسو- طائفية، والنقاشات الحادة الدائرة بين أعضائها حول أكثر من موضوع. وبالتالي، فإنّ الحكومة بصيغتها الراهنة تحوَّلت إلى متاريس سياسية، وتبدو عاجزة عن قيادة الحوار، بعدما تخبّطت في موضوعات واستحقاقات بلغ فيها الإنقسام الشعبي حداً خطيراً، ولو أنّها أقرّت بعض ما يعود إلى هذه الاستحقاقات بالأكثرية المريحة.

 

على أنّ المصادر عينها تؤكّد أنّ لا مفرّ من دور للرؤساء والقيادات الروحية يشكّل حاضنة لكل المساعي الجارية لتطويق أي إنحدار نحو الهاوية، وهذا يستدعي ضرورة إحياء القمة الروحية والتنسيق بين أركانها ورئيس الجمهورية، لإطلاق مبادرة حوارية يكون بندها الأول والأخير: السلم الأهلي في خدمة لبنان الواحد. وهذا ما يدفع الفاتيكان باتجاهه.

 

وتطمئن جهات مطلعة أنّ الجيش اللبناني مهيّأ لتسلّم أي مهمّة تتعلّق بالحفاظ على السلم الأهلي، لأنّ هذا الأمر يعني المؤسسة العسكرية، ويدخل في صلب استراتيجيّتها الوطنية. وكذلك سائر الأجهزة الأمنية.

 

لكن هل يستقيم ذلك من دون أوسع تفاهم سياسي؟ وهل إنّ مثل هذا التوافق ممكن؟ قد يكون الفرقاء على اختلافهم قد مضوا، ويمضون بعيداً في سياسة اللعب على طرف طرف الهاوية. لكن في نهاية المطاف سيجدون أنفسهم ملزَمين بوقف هذه اللعبة، لأنّ أحداً منهم لن ينجو من سلبياتها ولو بمقدار، لأنّهم يعرفون أنّ كلفتها ستكون عالية وموجعة في آن.

الأكثر قراءة