إسرائيل دفعت إلى تمرُّد لم يحدُث في إيران
مارك مازيتي، جوليان إي. بارنز، إدوارد وونغ، ورونين برغمان
Tuesday, 24-Mar-2026 06:41

بينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تضعان اللمسات الأخيرة على استعداداتهما لمواجهة عسكرية مع إيران، حمل رئيس جهاز «الموساد» ديفيد برنياع إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تصوُّراً طموحاً لما يمكن أن تؤول إليه المواجهة. خلال الأيام الأولى للحرب، طرح برنياع تقديراً مفاده أنّ جهازه قد يتمكّن من تحريك المعارضة داخل إيران، ودفعها نحو احتجاجات واسعة وربما أعمال تمرُّد يمكن أن تتطوّر إلى حَدّ تهديد بقاء النظام. ولم يقتصر هذا الطرح على الدوائر الإسرائيلية، بل عرضه أيضاً على كبار مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارة إلى واشنطن في منتصف كانون الثاني.

إقتنع نتنياهو بهذه الرؤية، ومالَ ترامب بدوره إلى تبنّيها، على رغم من التحفُّظات التي أبداها عدد من كبار المسؤولين الأميركيِّين، إلى جانب شكوك داخل مؤسسات استخباراتية إسرائيلية أخرى. وقام التصوُّر على فرضية أنّ اغتيال قيادات إيرانية بارزة في بداية الحرب، متبوعاً بعمليات استخباراتية مركّزة، قد يُشعِل حراكاً شعبياً واسعاً يُسرّع في إسقاط النظام، ويؤدّي بالتالي إلى إنهاء سريع للنزاع. وفي خطابه الأول مع اندلاع الحرب، وجّه ترامب رسالة مباشرة إلى الإيرانيِّين، دعاهم فيها إلى الاحتماء أولاً من القصف، ثم قال لهم: «تولّوا زمام حكومتكم، ستكون لكم لتأخذوها».

 

لكن بعد مرور 3 أسابيع على بدء العمليات، لم تظهر مؤشرات إلى انتفاضة داخلية. وخَلُصت تقييمات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أنّ النظام الإيراني، على رغم من تعرّضه لضغوط واضحة، لا يزال متماسكاً. كما أنّ الخوف المنتشر من أجهزة الأمن والجيش ساهم في تقليص فرص اندلاع تمرُّد داخلي، وكذلك في الحدّ من احتمال تحرُّك ميليشيات عرقية عبر الحدود.

 

رهان الثورة الداخلية

هذا الرهان على إمكانية إشعال ثورة داخلية تبيّن أنّه أحد أبرز مواطن الخلل في حسابات الحرب. فبدلاً من أن يتداعى النظام من الداخل، عمدت طهران إلى تشديد قبضتها الأمنية وتصعيد المواجهة، من خلال ضربات متبادلة استهدفت قواعد عسكرية ومدناً وسفناً في الخليج، فضلاً عن منشآت نفط وغاز.

 

ومع تراجع هذا الاحتمال، خفّف المسؤولون الأميركيّون من خطابهم العلني بشأن التمرُّد داخل إيران، وإن ظلّ بعضهم يأمل بإمكانية حدوثه. أمّا نتنياهو، فواصل الإشارة إلى أنّ الحملة الجوية قد تجد دعماً من قوى داخلية، مؤكّداً في مؤتمر صحافي أنّ «الثورات لا تُصنع من الجو وحده»، وأنّ وجود عنصر برّي يظل ضرورياً، من دون أن يكشف عن تفاصيل هذا العنصر.

وأضاف أنّ من المبكر الحُكم على ما إذا كان الإيرانيّون سيستغلّون الظروف للنزول إلى الشارع، مشدِّداً على أنّ القرار في النهاية يعود إليهم، على رغم من أنّ إسرائيل تعمل لتهيئة هذه الظروف.

 

خلف الكواليس، بدا أنّ الإحباط بدأ يتسلّل إلى القيادة الإسرائيلية. فقد عبّر نتنياهو في اجتماعات أمنية مبكرة عن استيائه من عدم تحقق التوقعات التي طرحها الموساد، لا سيما في ظل احتمال أن يقرّر ترامب إنهاء الحرب قبل أن تؤتي العمليات الاستخباراتية ثمارها.

 

إقناع ترامب

وفي مرحلة ما قبل الحرب، استخدم نتنياهو هذا التفاؤل الاستخباراتي لإقناع ترامب بأنّ إسقاط النظام الإيراني هدف قابل للتحقيق. إلّا أنّ كثيراً من المسؤولين الأميركيِّين، بالإضافة إلى محلّلي الاستخبارات في شعبة «أمان» التابعة للجيش الإسرائيلي، نظروا بعين الشك إلى فكرة إشعال انتفاضة خلال الحرب. وقد أبلغ قادة عسكريّون أميركيّون الرئيس بأنّ القصف الجوي لن يشجّع الإيرانيِّين على النزول إلى الشوارع، فيما قدّرت أجهزة الاستخبارات أنّ احتمال اندلاع انتفاضة تُهدِّد النظام يبقى ضعيفاً.

 

في المقابل، أشار مسؤول أميركي رفيع إلى أنّ ترامب دعا الإيرانيِّين إلى البقاء في منازلهم خلال القصف، وتأجيل أي تحرُّك إلى ما بعد انتهاء العمليات العسكرية: «عندما ننتهي، تولّوا زمام حكومتكم».

نيت سوانسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية والبيت الأبيض، أكّد أنّه لم يطّلع خلال عمله على أي خطة جدّية داخل الإدارة الأميركية لدعم انتفاضة داخل إيران. واعتبر أنّ الخوف من القمع الدموي يشكّل عاملاً حاسماً في إحجام الناس عن التظاهر، مضيفاً أنّ شريحة واسعة من الإيرانيِّين تسعى إلى تحسين ظروفها المعيشية، لكنّها لا ترغب في المخاطرة بحياتها. وأوضح أنّ نحو 60% من السكان قد يفضّلون البقاء في منازلهم، حتى لو كانوا غير راضين عن النظام، في حين أنّ المعارضين الأكثر حماسة يفتقرون إلى القدرة على حشد غالبية الشارع.

 

بعد أسبوعَين من الحرب، بدا أنّ ترامب يقرّ بهذه المعطيات، مشيراً إلى أنّ قوات الأمن الإيرانية تقمع أي احتجاج بالقوّة، ما يشكّل عائقاً كبيراً أمام تحرُّكات غير مسلّحة.

ضمن الخطط التي نوقشت، برز ما عُرف بـ«الخيار الكردي»، الذي تضمّن احتمال دعم توغل ميليشيات كردية إيرانية من شمال العراق. ويملك الموساد تاريخاً طويلاً من العلاقات مع الجماعات الكردية، كما قدّمت وكالة الاستخبارات المركزية دعماً لها على مدى سنوات.

 

وفي الأيام الأولى للحرب، استهدفت ضربات جوية إسرائيلية مواقع في شمال غرب إيران، في خطوة فسّرت جزئياً على أنّها تمهيد لتحرُّك كردي محتمل. لكنّ هذا الخيار فَقَد زخمه سريعاً، مع تراجع الحماسة الأميركية له.

ففي 7 آذار، أعلن ترامب أنّه طلب صراحة من القادة الأكراد عدم إدخال قوّاتهم إلى إيران، مبدياً خشيته من تعريضهم لخسائر بشرية. كما نفى قادة أكراد وجود خطط للتوغل، محذرين من أنّ مثل هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تدفع الإيرانيِّين إلى التوحُّد ضدّ خطر تقسيم البلاد.

 

إلى جانب ذلك، عبّرت تركيا عن رفضها لأي دور كردي، ونقلت هذا الموقف إلى واشنطن، في ظل حساسيّتها التاريخية تجاه أي نشاط كردي مسلّح.

 

إحداث الانقسامات الداخلية

بشأن التقديرات الاستخباراتية، أظهرت الدراسات التي سبقت الحرب أنّ احتمال انهيار النظام الإيراني بالكامل يبقى محدوداً. وحتى في حالات الاحتجاج الواسعة، كما حدث في كانون الثاني عندما قُتل آلاف المتظاهرين، تمكّنت السلطات من السيطرة على الوضع بسرعة نسبية.

 

وأشارت بعض التقديرات إلى احتمال حدوث انقسامات داخل النظام نفسه، قد تؤدّي إلى صراع داخلي، إلّا أنّ هذه السيناريوهات كانت ترجّح أن تبقى ضمن أطر صراعات بين أجنحة السلطة، لا أن تتطوّر إلى حركات ديمقراطية واسعة.

 

أمّا السيناريو الأكثر ترجيحاً، فتمثل في استمرار سيطرة التيار المتشدِّد على مفاصل الحُكم. تاريخياً، درست الاستخبارات الإسرائيلية فكرة إشعال تمرُّد داخل إيران، لكنّها كانت تستبعد نجاحها. وأشار مسؤولون سابقون إلى أنّ هذه الفكرة عادت إلى الواجهة مؤخّراً مع تصاعد احتمالات المواجهة.

 

ففي عهد رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، جرى تقليص الموارد المخصَّصة لهذا المسار، بعد التوصّل إلى قناعة بأنّ حجم الاحتجاجات المطلوبة لإحداث تغيير جذري يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه عملياً. وبدلاً من ذلك، ركّزت الاستراتيجية على إضعاف النظام عبر العقوبات والاغتيالات والتخريب.

 

لكن خلال العام الأخير، ومع تزايد احتمالات الحرب، أعاد برنياع توجيه موارد الجهاز نحو سيناريوهات تهدف إلى إسقاط النظام في حال اندلاع مواجهة شاملة. ومع تصاعد الضربات الجوية وعمليات الاغتيال في بداية الحرب، ساد الاعتقاد بأنّ الظروف قد تكون ناضجة لاندلاع اضطرابات داخلية.

الأكثر قراءة