مانشيت "الجمهورية": إسرائيل تبدأ حرب تدمير الجسور... وحراك فرنسيّ لوقف إطلاق النار
Thursday, 19-Mar-2026 06:08

فيما تتوسع دائرة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران ببدء استهداف المنشآت النفطية والغازية الإيرانية بعد استهداف مفاعل بوشهر النووي السلمي، وبدء طهران بالردّ قصفاً للمنشآت النفطية والغازية والبتروكيماوية في منطقة الخليج وفي إسرائيل، بدأت تل أبيب التمهيد للاجتياح الذي تهدّد به لبنان تحت عنوان «القضاء على حزب الله»، عبر قصف الجسور، بدءاً بتلك التي بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، معيدة إلى الأذهان قصفها كل الجسور اللبنانية في حرب 2006، ما يدلّ إلى انّ الوضع ماضٍ إلى مزيدٍ من التصعيد على الجبهتين اللبنانية والإيرانية. فيما وجّه الفاتيكان نداءً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء الحرب سريعاً و»ترك لبنان وشأنه».

أبدت مصادر سياسية عبر «الجمهورية»، قلقها الشديد من التهديد الإسرائيلي بـ«مفاجآت»، الذي أطلقه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التنفيذ الميداني. فالاتجاه المعلن إسرائيلياً هو ​عزل الجنوب بضرب الجسور على نهر الليطاني، بعدما انصبّ التركيز في الأيام الأخيرة على إتمام عملية تهجير واسعة، تُوجّت بإفراغ مدينة صور وجوارها والمخيمات.

 

​وفي تطور ميداني بالغ الخطورة، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها لعزل منطقة جنوب الليطاني كلياً، عبر استهداف منهجي للجسور، تزامناً مع توغل عسكري صامت، تقابله مواجهة ضارية من جانب «حزب الله». وامتد التصعيد ليطاول شرايين الحياة اللوجستية، إذ بدأت موجة استهداف مركّزة لمحطات الوقود التابعة لـ«حزب الله»، بعد ضرب مراكز جمعية «القرض الحسن»، في محاولة واضحة لتعطيل قدرته على التحرك والإمداد. والجديد هو التركيز على تهجير بلدات وقرى عديدة في جنوب الزهراني أيضاً. وهذا يثير الهواجس من رغبة إسرائيل في إقامة منطقة موازية، تحمي «منطقتها العازلة» شمالاً. فيما الغارات التي هزّت قلب العاصمة بيروت في الساعات الأخيرة، مستهدفةً مراكز وأهدافاً تعود إلى الحزب، تشي بأنّ لا خطوط حمراً جغرافية لتوسع الضربات الإسرائيلية.

 

​ويزداد منسوب القلق مع هذا التصعيد المستجد في الخلفية الإقليمية، مع انفجار حرب الطاقة التي كان الجميع يخشاها، مع بدء استهداف إسرائيل حقول النفط، وعلى رأسها حقل «بارس الجنوبي» للغاز الطبيعي، وهو الأضخم في العالم، بالتزامن مع استمرار عمليات الاغتيال للشخصيات المؤثرة في النظام. وقد جاء الردّ الإيراني سريعاً بالتهديد بضرب المنشآت النفطية في الخليج، ما سيضع المنطقة في قلب نزاع إقليمي قد يتخذ من أمن الطاقة أحد عناوينه الأساسية في المرحلة الآتية. و​وسط هذا كله، يقف لبنان أمام مرحلة «كسر عظم»، تطاول الجغرافيا والديموغرافيا والبنى التحتية والقدرة على الصمود الميداني، في لحظة إقليمية حساسة جداً.

 

نداء فاتيكاني

دعا وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال الإيطالي بيترو بارولين أمس، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى إنهاء الحرب المتصاعدة على إيران في أسرع وقت ممكن، كما حضّ إسرائيل على وقف ضرباتها على لبنان.

وقال بارولين في نداء مباشر غير معتاد: «أقول أنهوا الحرب في أسرع وقت ممكن... واتركوا لبنان وشأنه». وأضاف: «هذه الرسالة موجّهة أيضاً إلى الإسرائيليين».

 

مستشارو ترامب

في وقت سابق، قال مستشارون لترامب، إنَّ الأخير يرغب في إنهاء الحرب على إيران أكثر من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. مؤكّدين أنّ بعض الحسابات متباينة في شأن الحرب بين كل من أميركا وإسرائيل.

 

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين، أنّ أهداف ترامب الرئيسية هي تدمير برنامج إيران الصاروخي والنووي وبحريتها وتمويل وكلائها، مؤكّدين «أنّ الرئيس سيرى تغيير النظام كمكسب إضافي، لكنه يعتزم إنهاء الحرب عند تحقق أهدافه الرئيسية».

 

حراك فرنسي

وفي هذه الأجواء، يزور وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو لبنان اليوم، للبحث في مجريات التصعيد والتطورات الراهنة، وهو سيلتقي عدداً من المسؤولين اللبنانيين بينهم الرؤساء الثلاثة.

 

في الأثناء، كرّر المبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان الدعوة إلى وقف الحرب في لبنان. وقال لإذاعة «فرانس إنفو»: «لا يمكن للحكومة اللبنانية نزع سلاح «حزب الله» تحت وطأة القصف». وأضاف: «لم تتمكن إسرائيل من نزع سلاح «حزب الله». لذا لا يمكن توقّع أن تفعل الحكومة اللبنانية ذلك في 3 أيام تحت وطأة القصف»، مشدّداً على أنّ الحل لا يمكن أن يكون إلّا عبر التفاوض.

 

محور متعثر

وفيما لم يطرأ أي جديد على صعيد المبادرة الرئاسية للتفاوض المباشر مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، نقل تلفزيون «الجديد» عن «مصادر ديبلوماسية أميركية» قولها، إنّ «​واشنطن​ بدأت تضغط على ​إسرائيل​ للاستعداد للدخول في مفاوضات مع ​لبنان​، خشية سقوط لبنان بالكامل».

 

كذلك نقل «الجديد» عن مصادر سياسية لبنانية قولها، إنّ «إسرائيل قلقة من ميل الولايات المتحدة إلى وقف الحرب، وهو ما يدفعها إلى التصعيد في لبنان». وذكرت هذه المصادر، أنّ «أمامنا أسبوعين إضافيين على أقل تقدير».

 

وإلى ذلك، أكّد وزير الثقافة غسان سلامة، انّ «محور المفاوضات مع إسرائيل متعثر حالياً لأسباب كثيرة». وقال: «مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل غير مرفوض، لكن النقاش في لبنان هو في الشروط، وليس هناك اتصال مباشر مع «حزب الله» في شأن ملف التفاوض، والحزب قرّر أن يدخل المعركة مع إسرائيل بعد اغتيال خامنئي من دون استشارة الحكومة». واضاف: «الحكومة مصرّة على أنّ وقف النار هو الخطوة الأولى، وعلى الجميع احترامه إذا قبلته إسرائيل». وقال: «دول محدّدة التقطت المبادرة اللبنانية وطورتها. وهناك اهتمام فرنسي واضح بها، وواشنطن أبدت اهتماماً بالمبادرة، لكن الأطراف الأوروبية أكثر اهتماماً بتطويرها»، لافتاً إلى انّ «إسرائيل ترفض وقف إطلاق النار».

 

الموقف الإسرائيلي

حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، من أنّ مفاجآت متوقعة خلال الساعات المقبلة ستشكّل تصعيداً كبيراً في الحرب التي تشنها إسرائيل ضدّ إيران و«حزب الله» في لبنان. جاءت تصريحات كاتس خلال تقييم للوضع عقده صباح أمس في «الحفرة»، الملجأ المحصّن أسفل وزارة الدفاع في تل أبيب، بمشاركة نائب رئيس الأركان اللواء تامير ياداي، ورئيس الاستخبارات العسكرية اللواء شلومي بيندر، وقادة عسكريين آخرين. وأعلن كاتس «أننا دمّرنا جسرين إضافيين فوق نهر الليطاني يُستخدمان لتهريب الأسلحة وتسهيل حركة حزب الله». ولفت إلى أنّ «تدمير الجسور رسالةٌ واضحةٌ للحكومة اللبنانية».

 

وفي سياق التصعيد المتواصل، أعلن كاتس أنّ وزير المخابرات الإيراني الخطيب اغتيل الليلة الماضية، قائلاً إنّه «كان مسؤولاً عن نظام القتل والقمع الداخلي للنظام في إيران، وعن الترويج للتهديدات الخارجية». وشدّد على أنّ «سياسة إسرائيل واضحة لا لبس فيها: لا أحد في إيران يتمتع بالحصانة، والجميع في مرمى النيران». وأضاف، أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فوّض إلى الجيش الإسرائيلي «إحباط أي مسؤول إيراني رفيع المستوى مستهدف، سواء كان استخباراتياً أو ميدانياً، من دون الحاجة إلى تفويض إضافي». وتابع: «سنواصل إحباطهم وملاحقتهم جميعاً».

 

من جانبه، توجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إلى «حزب الله» قيادة وعناصر، بالآتي: «من جديد وسّعتم دائرة الاعتداءات فوسّعنا ردّنا المزلزل الذي لا يُبقي ولا يذر، فصاعنا صاعين. كل صاروخ تطلقونه هو مسمار جديد في الضربة التي ستتكبدونها فتحمّلوا لهيب العواقب؛ بنك أهدافنا يتسع، وعيوننا ترصد تحركاتكم. مَن يلعب بالنار يحترق بها، والقادم سيكون أشدّ وأقسى. لا تنسوا: الصاع - صاعين».

 

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية، أنّ «​الجيش الإسرائيلي​ يعمّق توغله في جنوب لبنان بمشاركة ألوية قتالية عدة»، وقالت إنّ «6 ألوية تعمل على عمق 6 كلم في جنوب لبنان».

ونقلت عن مصادر، قولها إنّ «عمل القوات البرية في جنوب لبنان سيكون مشابهاً لعملياتها في مخيم جنين»، في حين قال مصدر عسكري لهيئة البث: «نقوم بما كان يجب على الجيش اللبناني القيام به في جنوب لبنان»، مضيفًا: «سنواصل السيطرة على جنوب لبنان حتى إيجاد جهة تمنع ​«حزب الله​» من العمل هناك».

 

وأفاد تقرير أنّ الجيش الإسرائيلي يستعد لخوض حملة عسكرية تمتد لأشهر ضدّ «حزب الله» في لبنان، في إطار خطة تهدف إلى تقويض قدراته الصاروخية ومنعه من استهداف المناطق الإسرائيلية القريبة من الحدود.

وبحسب ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤول عسكري إسرائيلي، فإنّ القوات التي دخلت جنوب لبنان بدأت عمليات تمشيط منهجية داخل القرى، بحثًا عن أسلحة وبنى تحتية عسكرية، مع التقدّم التدريجي إلى عمق الأراضي اللبنانية. وأوضح المسؤول أنّ «حزب الله» يعتمد بشكل أساسي على منظومتين صاروخيتين: صواريخ «كورنيت» الروسية التي يتراوح مداها بين 5 و10 كيلومترات، وصواريخ «ألماس» الإيرانية التي يصل مداها إلى نحو 10 كيلومترات. وتهدف العمليات الإسرائيلية إلى دفع فرق إطلاق هذه الصواريخ بعيدًا من الحدود، بما يمنعها من استهداف المناطق المدنية.

وأشار إلى أنّ الحزب يستخدم أيضًا طائرات مسيّرة صغيرة ومتوسطة الحجم يصعب رصدها واعتراضها، ما يشكّل تحدّيًا إضافيًا للمنظومات الدفاعية.

 

تصعيد

وفي تصعيد ميداني واسع منذ ساعات فجر أمس، كثّف الطيران الحربي الإسرائيلي ضرباته على أحياء في بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق متعددة في الجنوب والبقاع، مستهدفًا هذه المرّة الجسور والمعابر الحيوية، في خطوة تعكس انتقال العمليات إلى مرحلة تهدف إلى عزل مناطق كاملة وقطع خطوط الإمداد.

 

ونتيجة القصف الذي طاول محلة زقاق البلاط في بيروت، استُشهد مدير البرامج السياسية في قناة «المنار» الصحافي محمد شري وزوجته، اللذان سيُشيّعان اليوم في محلة القائم في منطقة الشويفات.

واستهدفت غارات إسرائيلية جنوباً أمس بلدتي القنطرة وعيناثا، بالتزامن مع قصف طال جسر قعقعية الجسر، في حين سُجّلت غارة على جسر جنتا في محلة شعرة في البقاع. والجسور التي طالتها الغارات هي جسور طيرفلسيه والخردلي وقعقعية الجسر. وقد أخلى الجيش اللبناني حاجز القاسمية، فيما انسحبت قوات «اليونيفيل» من الموقع، في مؤشر إلى خطورة الوضع الميداني واتساع رقعة الاستهداف.

 

وكانت مناطق عدة قد شهدت منذ ساعات الصباح غارات إسرائيلية مكثفة، طالت صور والنبطية ومحيطهما، إضافة إلى استهدافات في البقاع الغربي ومحيط منشآت حيوية، بينها محيط مستشفى في تول، وسقوط مسيّرة إسرائيلية في المروانية.

في المقابل، واصل «حزب الله» إطلاق صواريخ في اتجاه المواقع والتجمعات العسكرية الإسرائيلية على الحدود الجنوبية وفي شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة وعمقها، وسط مواجهات ضارية بين رجال المقاومة وقوات الاحتلال على طول الحدود.

 

اجتماع أمني

وكان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أكّد على الجهوزية الكاملة للقوى العسكرية والأجهزة الأمنية، داعياً إلى ان يكون الخطاب السياسي في البلاد خطاباً وطنياً يركّز على وحدة اللبنانيين والتضامن في ما بينهم ونبذ التفرقة والتحريض الطائفي والفتنة، وإلى ان ينسحب هذا الامر على وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

 

وشدّد الرئيس عون خلال ترؤسه لاجتماع أمني حضره وزيرا الدفاع الوطني والداخلية والبلديات وقادة الأجهزة الامنية، خصّص للبحث في الأوضاع الأمنية في البلاد في ضوء اتساع الاعتداءات الإسرائيلية من الجنوب إلى البقاع، وصولاً إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية، وتداعياتها على مختلف الأصعدة، على وجوب تأمين مزيد من مراكز الإيواء للنازحين قسراً من بلداتهم وقراهم وتوفير الحماية الأمنية لها، مؤكّداً على ضرورة ضمان كرامة كل مواطن ومقيم ضمن سقف القوانين المرعية. واعتبر رئيس الجمهورية، انّ هذه المرحلة تتطلّب متابعة دقيقة وارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية بعيداً من المصالح الخاصة والحسابات الشخصية.

الأكثر قراءة