كانت ماري شيلي في العشرين فقط عندما نُشرت روايتها الأولى الجامحة والموسّعة للأفق الذهني، «فرانكنشتاين؛ أو بروميثيوس الحديث» (1818). وبحلول الـ25 من عمرها، كانت قد تكبّدت سلسلة من الخسارات التي لا توصف، بينها وفاة 3 من أطفالها الصغار وزوجها الشاعر بيرسي بيش شيلي. أمّا مخلوقها الشهير فاستمر في إنجاب أشكال جديدة وأحياناً متعبة من الحياة، مولِّداً مسرحيات وأفلاماً ومسلسلات تلفزيونية وأعمالاً أكاديمية، وغير ذلك من المعتاد.
شهد العام الماضي رؤية غيليرمو ديل تورو الخاصة لـ»فرانكنشتاين»، وها هو الآن فيلم «العروس!» للمخرجة ماغي جيلنهال، الذي يرسم خطاً جريئاً وإن كان متعثراً من زمن شيلي إلى زمننا.
كتبت جيلنهال وأخرجت «العروس!»، وأوفت بعلامة التعجّب في العنوان عبر فيلم يتنقل بين الأزمنة ويقفز بين الأنواع، فيلم يزمجر ويصرخ، ويكسر إيقاعه بين الحين والآخر بأغانٍ مرِحة. لا يبدو دائماً منسجماً على المستوى النغمي أو الفكري، لكنّ العمل بأكمله مفعم بالحيوية، أنيق المظهر، ومليء بممثلين بارعين وجذّابين، يكفون للحفاظ على اهتمامك خلال المقاطع الأكثر خشونة أو الأقل تماسكاً. وعلى نحو يشبه ما فعلته إيميرالد فينيل في اقتباسها الأخير لرواية «مرتفعات ويذرينغ» لإميلي برونتي، تعود جيلنهال إلى واحدة من أشهر روايات كاتبة من القرن الـ19، لتُعيد النظر في الشخصية الإشكالية والمستفزّة دائماً: المرأة الوحش.
لهذه الغاية، تستحضر جيلنهال ماري شيلي لتكون راوية الفيلم ورمزه التاريخي المثقل والوجودي المرهق. تؤدّي الدور جيسي باكلي، فتظهر ماري في إضاءة درامية حادة بين الظل والنور، وعيناها تلمعان بظلام. هي خالدة، بالتأكيد؛ لكنّها أيضاً ميتة، كما تخبرك. عالقة في نوع من البرزخ، تبدو ماري وتتكلّم كما لو أنّها غاضبة بجدّية مفهومة، لكنّها تحمل أفكاراً (تصوّرات حول الرعب والحب) وسرعان ما تعثر على وسيلة جديدة للتعبير عن نفسها: إيدا، التي تؤدّيها باكلي أيضاً. شقراء مصبوغة بشعرٍ فاتح وماكياج ملطّخ وابتسامة خطرة، تتسكع إيدا مع رجال العصابات في شيكاغو ثلاثينات القرن الماضي عندما تدخل المشهد، شرارة حية متوثبة سرعان ما تصبح بدورها ميّتة.
تتضح القصة مع وصول أسطورة أخرى: وحش فرانكنشتاين أو «فرانك» كما يُحِب أن يُنادى. يؤدّي الدور كريستيان بايل بسحر غير متوقع وبخزّان عميق من الكآبة. وبمصادفة كونية من النوع الذي تجيده السينما، يصل فرانك إلى شيكاغو طالباً المساعدة من عالمة هي الدكتورة يوفروينيوس، التي تؤدّيها أنيت بينينغ. يريد رفيقة، وتمتلك الطبيبة المزيج المطلوب من الذكاء والفضول والغرور الذي يجعلها مهتمة بتحقيق رغبته. ومن حسن الحظ أنّها تملك أيضاً مختبراً منزلياً مجهّزاً على النحو الذي تمتلكه عادةً العقول المجنونة في أفلام الخيال، إلى جانب المساعدة الغريبة الرسمية، غريتا (التي تؤدّيها جيني برلين)، التي تتسلّل إلى الداخل والخارج بحسب الحاجة.
تُرتّب جيلنهال عناصرها المثيرة والمصقولة جيداً، لكنّ عددها كبير أكثر ممّا ينبغي، وتميل إلى إطالة المشاهد إلى درجة تُضعف تأثيرها. ظهور إيدا الأول ملفت، لكنّه سرعان ما يصبح مرهقاً. تجلس إلى طاولة مزدحمة في نادٍ ليلي صاخب، جذور شعرها الداكنة تبرز عبر اللون القشي، وفمها يُحيط به احتقار ساخر خفيف. كممثلة، تستطيع باكلي أن تكون ناعمة، تذوب بحساسية تعبيرية، لكنّ نعومتها ممزوجة بالصلابة. يمكن الإحساس بمرونتها الداخلية، بصلابة مكتسبة توحي بتاريخ وتجسّد عزيمة، وهي صفة تساعد حتى شخصية غريبة مثل إيدا على الارتباط بمشاعر إنسانية حقيقية.
يصبح العامل الإنساني أكثر أهمّية بعد إعادة إحياء إيدا ثم فرارها مع فرانك، يداً ميّتة في يَد ميّتة. يمرحان ويتشاجران ويذهبان إلى السينما لمشاهدة نجم هوليوود الموسيقي اللزج روني ريد. في لحظة ما، تظهر إيدا بفستان مزيّن بالريش يشبه الفستان الذي ارتدته جينجر روجرز في تحفة عام 1935 Top Hat. ولأنّ إيدا وفرانك شابان بما يكفي، ومغرمان بما يكفي، ويقتلان الناس، فإنّهما يستلهمان أيضاً الخارجين عن القانون بوني باركر وكلايد بارو، الثنائي الرومانسي الذي لا يكفّ عن العودة من الموت.
وبينما يطلق إيدا وفرانك العنان لفوضاهما تعود جيلنهال مراراً إلى ماري، متنقلة بين الخارجين عن القانون وخالقتهما الاسمية الغارقة في ظلالها. لا توجد عروس في «فرانكنشتاين»، على رغم من أنّ شبح رفيقة للوحش يخيّم على القصة. يقول الوحش للدكتور فرانكنشتاين: «كان ينبغي أن أكون آدمك»، في إشارة إلى ضرورة وجود حواء. يرفض الطبيب. أمّا في فيلم عام 1935 المخيف الجميل Bride of Frankenstein، فقد فعل المخرج جيمس ويل ما لم يفعله الطبيب السيئ ولا ماري شيلي، فمنح الوحش (بوريس كارلوف) مكمّلة رائعة: امرأة أُعيد إحياؤها (إلسا لانشستر). تظهر على الشاشة لوقت قصير فقط، لكنّ صدمتها من الوحش الذي يُفترض أن تقترن به تظل مطاردة للذاكرة.
على رغم من اللزوجة والقيء البصري الذي ترشه جيلنهال في المشاهد، فإنّها غير مهتمة بإخافة الجمهور، فضلاً عن ترويعه. يبدو واضحاً أنّها تريد تسلِيَتك، أن تقدّم بعض الرقصات الخفيفة وضحكات مغرية، لكنّها تريد أيضاً أن تضرب بقوّة، أن تقشّر الجلد، تحفر في الجروح، وتطلق العواء. إنّها تحشد النساء ليعضضن الألسنة لا أن يعضضن ألسنتهنّ. وهي تفعل ذلك فعلاً، لكن كلّما علت نبرة غضب جيلنهال ازداد الفيلم اضطراباً، مع نبراته المتأرجحة وأمزجته المتقلبة وإشاراته المتكلفة وتوقه الرومانسي وصرخة نسوية ما بعد واينستين التي تهبط بثقل.