المسيحُ يجمعنا وهو يأبى لنا الركوع
الوزير القاضي محمد المرتضى
Tuesday, 17-Mar-2026 06:20

نحن المسلمين والمسيحيِّين، ولئن اختلفنا حول طبيعة السيّد المسيح وظروف مغادرته لعالمنا الأرضي، متفقون عليه مخلّصاً وآيةً من الله وروحاً منه، وأنّه حيٌّ غلبَ الموت وعائدٌ ليقف إلى جانب المظلومين في وجه الطغاة والظالمين لتمتلئ الأرض بالخير والمحبةِ والرحمة والعدل؛ وجميعنا كذلك يُجلُّ منهجه: ما يُريده لنا وما ينتظره منّا.

في الوجدان المسيحي الموروث حكايةٌ مؤثرةٌ، طلب مني بالأمس أحدُ الإخوة المسيحيِّين أن أكتب شيئاً من وَحيها. هذه الحكاية تروي أنّ السيّد المسيح، وهو على الصليب، لم يقبل أن يرى أمّه السيّدة العذراء راكعةً في حضرة صالبيه. أرادها واقفةً، مرفوعةَ الرأس على رغم من الألم. ففي منطق الإيمان، الكرامة لا تُصلَب، والإنسان لا يُطلب منه أن ينحني للظلم حتى في أقسى لحظات الفاجعة.

 

وسواء قرأنا هذه الرواية كتقليدٍ إيماني يتناقله وجدانُ المسيحيِّين، أو كرمزٍ روحي عميق، فإنّ معناها الأخلاقي واضح: الإيمانُ الحقيقي يُربّي على الكرامة، يأبى الركوع أمام الظلم ويحضُّ على الثبات في وجه العدوان.

 

ومن هنا يحقّ لكلّ من يُؤمن بالمسيح منهجاً - ونحن منهم بكلّ فخرٍ وفرح - أن يسأل نفسه:

هل يقبل المسيح منّا أن ننكفئ اليوم أمام عدوان الأعداء؟

هل يريد لنا أن «نقف» كما أراد لأمّه أن تقف: مرفوعي الرؤوس، أم يريد لنا الخنوع والركوع؟

 

إنّ أعداء الإنسانية الذين يريدون صلب لبنان، والتوسّع في دولتهم على حساب سيادته، لا يعتمدون فقط على قوّتهم، بل أيضاً على ضعفنا، على انقساماتنا، على انفعاليّتنا، وعلى انشغالنا بخلافاتٍ تبقى - على أهمّيتها - ثانويةً أمام الخطر الأكبر الذي يتقدّم نحونا. هم واعون ونحن غافلون إلى أنّ الوطن الذي يتناحر أبناؤه يسهلُ «صلبه» ثم قضمه مساحةً بعد أخرى، أمّا الوطن الذي يقف أبناؤه معاً فيستحيل على أحدٍ كسره او استباحته.

فهل نجعل انفعاليّتنا وخلافاتنا السياسية تجرّنا إلى ما لا يريده المسيح لنا: أن ننشغل بالصراعات الداخلية فيما وطننا يُراد له أن يُصلَب؟ فتنتهي الحكاية بلبنان مصلوباً... ونحن راكعون!

 

مَن يرضى بذلك؟ لا أحد... فلنؤجِّل إذاً ذاك السجال الذي يستنزّفنا: هل كان إطلاق الصواريخ خطأً أم صواباً؟ وهل كان هو السبب في تأجيج العدوان أم لا؟ ويحسن أيضاً أن نسمح لعقولنا بأن تهضم جيّداً ما قاله العدو نفسه بعد ذلك، بأنّ العدوان كان سيبدأ، بالصواريخ أو من دونها، وأنّه كان يُحضّر مفاجأةً، فإذا بتلك الصواريخ تسلبه عنصر المفاجأة: (راجعوا إن شئتم ما قالته القناة 13 الإسرائيلية بهذا الشأن، وموقع Times of Israel وموقع ynet وتقرير يوسي يهوشواع الوارد فيه نقلاً عن أرفع المسؤولين العسكريِّين).

 

أمّا الموضوع الآخر للسجال: هل تعمل المقاومة لمصلحة إيران أم لحماية لبنان؟ وهل إنّ نزع سلاحها ينجّي لبنان أم لا؟ فلنؤجّله بدوره! سيأتي وقته، ولنُركّز على القضية الأهم التي لا يجوز تأجيلها أو التشويش عليها. علينا اليوم أن نُصغي جيّداً إلى ما قاله العدو، ومَن وراءه، صراحةً لا تلميحاً، نفهم عندها بأنّ نواياه مُنصبّة على ابتلاع الجنوب تمهيداً لابتلاع كل لبنان كخطوةٍ على درب تحقيق «إسرائيل الكبرى»؛ أليس هذا ما أظهره «نتانياهو» في خريطته الشهيرة، وقاله «كاتس»، وقبلهما «بن غفير»، «سموتريتش» وغيرهم؟ ألم يقُلْ رئيس المعارضة «لابيد» الأمر عينه؟ ألم يقُل ذلك السفير «هاكابي» وسبقه بفحوى مماثلة توم برّاك؟ ألم تُحذّر من هذا أصواتٌ علت مؤخّراً في الخليج - وهي لا تطيق إيران - قالت بصراحة إنّ الحرب الراهنة هدفها هيمنة إسرائيل وتوسّعها؟ ألم يقُل ذلك أيضاً الرئيس التركي ووزير خارجيّته؟ ألا يستفزّنا كل هذا الذي قيل فننصرف بكليّتنا للتعامل معه كمصيبة مركزية جامعة، عوض أن نُمعن في خدمة العدوّ من خلال نهشنا لحم بعضنا البعض؟

 

أمّا المسؤولون عندنا فكان الله في عونهم. مواقعهم لا تحتمل التردّد أو الارتجال أو الرضوخ للضغوط أو المساومة. واجبهم أن يصونوا سيادة الوطن وأرضه وكرامته ووحدة شعبه، وهم حتماً يعلمون أنّ الاستجداء والاسترضاء لا يجديان نفعاً لا مع العدوّ ولا مع ما يُسمّى بـ«المجتمع الدولي»: «الأبستيني» بغالبية قياداته، والمسلوب الدور والضمير، والمرهون إسرائيلياً على مستوى الفعالية والقرار. ألم نعلم أنّ الـwar mongers (تجار الهيكل والحروب و«عبدة بعل»)، أداروا في الأيام الأخيرة الظهر لقداسة البابا الذي طالبهم بوقف الحرب الجارية في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً؟

 

الشعوب قد تختلف وترتبك، أمّا القادة فواجبهم أن يقرأوا المستجدّ جيّداً، وأن يرتفعوا فوق الارتباك والشقاق، وأن يُدركوا أنّ التاريخ لن يرحم القصور أو سوء التدبير.

في الخلاصة: إنّ لبنان أحوج ما يكون اليوم إلى أن «يقف» شعبه متّحداً واعياً متكاتفاً متمسكاً بالأرض حافظاً للكرامة ساعياً بكل ما أوتي إلى مواجهة العدوان وحماية الوطن وتحقيق النجاة. نسأل الله أن يُلهمنا حسن التدبير، وأن يهدينا إلى أن نعمل ما يحبّه ويرضاه ويُحقق الأمان لوطننا والخلاص لشعبنا!

الأكثر قراءة