هل ندفع ثمن المناكفات الأميركية- الإسرائيلية؟
جوني منيّر
Monday, 16-Mar-2026 07:24

لم يكن الأسبوع الأول قد انقضى على بدء الحملة العسكرية الأميركية- الإسرائيلية على إيران، حتى طلب السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى موعداً عاجلاً من قصر بعبدا. وخلال لقائه برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، عرض عيسى الوضع الصعب الذي يُهدِّد لبنان، ومشدّداً بأنّ الوقت مؤاتٍ للتقدُّم بمبادرة تكسر الجدار القائم، وتتضمّن دعوة للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وأنّ إسرائيل موافقة على التفاوض. وأضاف، أنّه سيزور رئيس المجلس النيابي نبيه بري لوضعه في الصورة.

من جانبه، تواصل عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكذلك فعل مع رئيس الحكومة نواف سلام، وجرى التفاهم حول المبادرة المؤلفة من النقاط الأربع. وبعد تأمين الأجواء المطلوبة وإثر إلحاح السفير عيسى على ضرورة الإسراع وعدم إهدار الوقت، أعلن رئيس الجمهورية عن مبادرته يوم الإثنين الماضي، خلال اجتماع عبر تقنية "الزوم"، وبدعوة من المجلس الأوروبي، وكانت أبرز نقاطها الدعوة إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل. وفي اليوم التالي، أي نهار الثلاثاء، ترأس عون اجتماعاً في قصر بعبدا، بقي بعيداً من الإعلام، مع الأعضاء الذين تمّت دعوتهم ليشكّلوا الوفد المفاوض، وهم: السفير سيمون كرم كرئيس للوفد، أمين عام وزارة الخارجية عبد الستار عيسى، السفير السابق في روسيا شوقي أبو نصار، والدكتور بول سالم. وفي بداية الإجتماع، استعرض عون الوضع الخطير الذي يمرّ فيه لبنان والمخاطر المفتوحة عليه والتهديدات الوجودية التي تطاله، وصولاً إلى المبادرة التي أطلقها، وارتكزت على النقاط الأربع التي باتت معروفة. وتابع عون، أنّ لا وجود لأي مخرج من المأزق الصعب القائم إلّا عبر التفاوض المباشر، وأنّه تشجّع وانطلق بمبادرته بعدما سمع من السفير الأميركي أنّ إسرائيل باتت موافقة على التفاوض، بعد أن كان موقفها سلبياً وفي موقع الرافض له. وتابع رئيس الجمهورية، أنّ المكان المقترح لحصول المفاوضات هو قبرص، حيث ستجري جولة التفاوض الأولى. وجرى نقاش بين أعضاء الوفد المقترح ورئيس الجمهورية، وتمحور حول موقف المكوّن الشيعي وضرورة تمثيله في عداد الوفد. وأجاب عون بأنّه على تواصل دائم مع الرئيس بري، وهو ليس بعيداً عن مبادرته، لا بل هو حريص على وقف الإجرام الإسرائيلي الحاصل، لكنّ بري لديه تحفّظ على تسمية العضو الشيعي. إلّا أنّ عون أبدى تمسكه بعدم حصول أي مفاوضات من دون مشاركة شيعية.

 

لكنّ هذا الإجتماع بقي وحيداً إثر التعثر الذي أصاب المبادرة، والأهم تراجع الحماسة الأميركية. فما الذي جرى فعلاً؟

 

في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس عون مبادرته، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفاً فاجأ به الجميع. فهو أعلن بشكل مفاجئ ومن دون مقدّمات، بأنّ الحرب مع إيران شارفت على الإنتهاء. هذا الموقف الصادم، والذي كان مخالفاً للمسار الحربي القائم، طرح تساؤلات عدة حول ما قصده بالضبط ترامب. ووفق التفسيرات الديبلوماسية، فإنّ الرئيس الأميركي الذي كان لا يزال يعيش نشوة نجاح الضربة الخاطفة في فنزويلا التي أبهرت العالم، كان يراهن على نتائج مماثلة سريعة في إيران، فتؤدّي الضربة الأولى إمّا إلى انهيار النظام القائم أو تحرُّك القوى الشعبية المعارضة لتطويق ما تبقّى من القيادة الإيرانية. لكنّ تبيّن أنّ التفسخات المأمولة لم تظهر. وخشية الغرق في دوامة حرب طويلة ستنعكس سلباً عليه، سارع ترامب للتلويح بخيار التفاوض. وفي هذه اللحظة بالذات طلب من سفيره في بيروت دفع لبنان للتفاوض، ممّا يفسر إلحاح عيسى على الإسراع في إعلان المبادرة وتشكيل الوفد، مرّة لتدارك إمكانية حيازة إيران لورقة لبنان التفاوضية، وبالتالي سحبها من يدها سلفاً، ومرّة أخرى لتعميم مبدأ التفاوض على الجبهتَين الإيرانية واللبنانية. لكنّ طهران لم تُبدِ أي تجاوب، ما جعل ترامب يعود مرغماً إلى ساحة الحرب. وبات العديد من أعضاء فريق ترامب يدرك بأنّ رئيسهم وقع في فخ الثعلب بنيامين نتنياهو الساعي لحرب مفتوحة تخوضها واشنطن وتُنتج تفتيتاً وفوضى، وليس أبداً حملة عسكرية لتأديب وترويض النظام الديني القائم. وأدرك البيت الأبيض أنّه لم يعُد قادراً على التراجع في الحرب الدائرة لسببَين أساسيَّين: فلا ترامب قادر على العودة إلى بلاده بنتيجة غير حاسمة، في وقت تتعالى فيه أصوات المعارضة وقبل أشهر معدودة على موعد الإنتخابات النصفية. ولا مؤسسات الدولة الأميركية قادرة بدورها على وقف الحرب هنا بسبب مضيق هرمز. ذلك أنّ قوّة وسطوة ونفوذ واشنطن يرتكز بدرجة أولى على السيطرة الأميركية المطلقة على البحار وخصوصاً المضائق والممرات المائية. وبالتالي فإنّ تكريس الخسارة الأميركية للسيطرة على مضيق هرمز الفائق الأهمّية والتسليم بسيطرة إيران المطلقة عليه، سيعني الخضوع لهزيمة استراتيجية، وهو ما لن تقبل به. ومضيق هرمز يبلغ عرضه 30 كلم، لكنّ الممر المائي الصالح لملاحة السفن العملاقة وناقلات النفط يبلغ عرضه 3 كلم فقط. ما يعني سهولة تحكّم إيران به عسكرياً.

 

أمّا في الجانب الإسرائيلي، فلا شك أنّ الماكر نتنياهو أخذ يفرك بيدَيه فرحاً بما آلت إليه الأمور. فالأمور أخذت تسير وفق ما يشتهيه بالضبط. أي توريط واشنطن عسكرياً حتى الحدّ الأقصى، ووضع جانباً كل ما له علاقة بأي مفاوضات أو تسويات. لذلك استمر الجيش الإسرائيلي في اندفاعته في إيران، وعمل في الوقت نفسه على زرع الألغام أمام مبادرة قصر بعبدا. فنتنياهو الذي خبر ترامب جيداً، إن في ولايته الأولى أو خصوصاً خلال مفاوضات غزة، بات يعرف أنّه من الخطأ مواجهة ترامب بشكل مباشر مثلما كان يحصل مع جو بايدن أو حتى مع باراك أوباما، وأنّه لا بدّ من الإلتفاف عليه لتحقيق الأهداف المطلوبة. لذلك، أبدى نتنياهو مرونة مصطنعة مع طلب ترامب البدء بالمسار التفاوضي مع لبنان، وهو عمد في الوقت نفسه إلى زرع الألغام. وجاء اللغم الأول مع تكليف رون ديرمير بمهام الملف اللبناني. وديرمير عدا أنّه أحد أقرب الأشخاص إلى نتنياهو، فهو أكثر تشدّداً على المستوى الإيديولوجي من نتنياهو. وهو في الوقت نفسه يتمتع بعلاقات قوية مع العديد من رجال فريق ترامب، ما قد يكون أدّى إلى توجيه إشارة مخادعة لترامب. أضف إلى ذلك أنّه وزير سابق، ما قد يعني لاحقاً طلب إسرائيل من لبنان تمثيل بالمستوى نفسه.

 

واللغم الثاني جاء مع الخبر المدسوس الذي كتبه باراك رافيد في موقع "أكسيوس" حول خطة فرنسا التي تتضمن سقفاً شاهقاً، كمثل الإعتراف بإسرائيل، وهو ما سيؤدّي إلى ردّ فعل قوي من عدة شرائح لبنانية، والتزام لبنان بتنفيذ القرار 1701 بالكامل بما في ذلك نزع سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني، وهو ما يعني ضمناً إعتراف السلطة بعدم جدّية تنفيذ خطة الجيش.

 

أمّا اللغم الثالث، فتمثل بالتعزيزات العسكرية الإسرائيلية إلى جنوب لبنان التي اتخذت طابعاً هجومياً. فأرسلت لواء "غولاني" ليتمركز إلى جانب الفرقتَين 98 و36 الهجوميّتَين، بالإضافة إلى نشر ألوية "ناحال" و"المظليّون" و"غفعاتي" و401.

 

واللغم الرابع كان عبر صحيفة "هآرتس" حول تحديد يوم الأربعاء المقبل للإجتماع الأول بين الوفدَين اللبناني والإسرائيلي، ليتبيّن عدم صحة ذلك، لا بل إنّ اجتماع الفريق التفاوضي في قصر بعبدا بقي يتيماً ومن دون حصول اجتماع ثانٍ من المفترض أن يسبق جولة التفاوض، ويجري فيه الإتفاق على ورقة أولية تشكّل محور البحث.

 

أمّا اللغم الخامس، فكان مع تمسّك إسرائيل بأنّ التفاوض يجب أن يحصل تحت النار، أو الأصح تحت التهديد العسكري.

 

وعلى الضفة الشيعية، بدت الأمور أكبر من طاقة وقدرة الرئيس بري. فهو لم يذهب لتسمية عضو شيعي على رغم من مباركته لمبادرة عون. لا بل فهو تراجع لاحقاً خطوة إلى الوراء مع اشتراطه حصول التفاوض بعد وقف إطلاق النار، وعاد وتراجع خطوة ثانية إلى الوراء مع إضافة مطلب جديد بأن يسبق أي مفاوضات إعادة النازحين إلى منازلهم. في الواقع يدرك الجميع أنّ ورقة الميدان بيَد "حزب الله" ومن خلفه إيران. لذلك أعلن أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم رفضه لأي "تنازلات مجانية جديدة تقوم بها السلطة"، ما يعني رفضاً واضحاً. والرسالة السلبية الثانية كانت عبر وكالة الصحافة الفرنسية، التي نقلت عن مسؤول كبير في "حزب الله"، بأنّ الحزب قرّر إمّا أن يُغيّر المعادلة القائمة أو أن ينتهي. أي أنّ لا حلول أخرى أمامه سوى القتال، والإشارة واضحة. وبالتالي فالسؤال يصبح هنا: هل تستطيع الحكومة تنفيذ أي اتفاق يمكن الذهاب إليه بين لبنان وإسرائيل من دون موافقة "حزب الله"؟ أليس هذا الوضع هو الذي أعاق الإنتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الجيش؟ كذلك، هل تقبل إيران بترك لبنان يذهب إلى حلول ديبلوماسية في وقت أعلنت فيه ببيان رسمي بأنّ التنسيق العسكري قائم بين طهران و"حزب الله"، أي الربط بين الجبهتَين؟ مع الإشارة هنا إلى صرخة قاسم "لبّيك يا خامنئي". كذلك وفي المقابل، هل تقبل إسرائيل بواقع تعتبره رمادياً، طالما أنّها لم تحقق الحسم العسكري المطلوب؟ فإسرائيل باتت على يقين بأنّ الإنتصار المجتزأ هو هزيمة كاملة. لا شك بأنّ لإسرائيل مشروعاً آخر يتجاوز الملف العسكري لـ"حزب الله"، وهي ترى أنّ الظروف تكتمل لتحقيقه. ومن هنا يجب النظر بتمعّن إلى تهجير أهالي الجنوب والضاحية. وبالأمس وسعت جغرافية الإخلاءات لتصل إلى جنوب الزهراني ومستهدفة عدداً كبيراً من مناطق قرى صيدا. ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير أعلن صراحة، أنّ المعركة مع "حزب الله" لن تكون قصيرة، وأنّ لبنان جبهة رئيسية إضافية وليس جبهة رديفة.

 

وما يشجّع هذا الموقف الإسرائيلي المتحمّس لاستمرار الحرب، انسداد أفق حملة ترامب لتغيير أو تطويع النظام الإيراني. فالحرب باتت تخضع الآن لحسابات المؤسسات الأميركية، التي تتمسك بالسيطرة على مضيق هرمز. وأشار وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت إلى وجود خطة لفتح المضيق. وتزامن كلامه مع إرسال حوالى 4 آلاف جندي إلى المنطقة نصفهم من "المارينز" والنصف الآخر من المشاة. وحُكيَ عن خطة تقضي باحتلال جزيرة خرج التي تعدّ الشريان الحيوي لصادرات النفط الإيرانية.

 

ولا شك أنّ نتنياهو يضحك في سرّه وهو يراقب تعثر أي مسلك يمكن أن يسمح لترامب بالخروج من المغطس الإيراني. وهو ما دفع بالرئيس الأميركي، صاحب السلوك المتعالي، بطلب المساعدة والمساندة من دول "الناتو" والحلفاء التقليديِّين لفتح مضيق هرمز. في العادة كان ترامب يتعاطى بشيء من العجرفة مع زعماء هذه الدول. وهو لا شك يتابع بتوجّس نتائج إستطلاعات الرأي، والتي تمنحه دعم 29% فقط من الأميركيِّين في حربه على إيران في مقابل معارضة 43%.

 

وهو ما يعني أنّ صفحة الحلول التفاوضية جرى طيّها إن في إيران أو في لبنان، وأنّ المسار هو حربي حتى إشعار آخر. ولكن على لبنان أن يتنبّه للضربات الجانبية الحاصلة بين المشروعَين الأميركي والإسرائيلي، كي لا يدفع أثماناً باهظة، كما حصل مرّات عدة في التاريخ القريب.

 

في العام 1982، نفّذت إسرائيل اجتياحاً عسكرياً للبنان بالتفاهم مع إدارة رونالد ريغان، التي اشترطت عدم اجتياز القوات الإسرائيلية لطريق الشام حرصاً على الدور السوري. لكنّ أرييل شارون نجح باستمالة وزير الخارجية ألكسندر هيغ، ونال منه ضوءاً أصفر، ما مكّن إسرائيل من قطع طريق دمشق لجهة صوفر. وعندما جرى إبلاغ الرئيس الأميركي ريغان جنّ جنونه، وجرى إبلاغ هيغ باستقالته وهو موجود في أحد مطاعم واشنطن حيث يتناول العشاء. وبعدها ظهر الإفتراق في نظرة كل من واشنطن وتل أبيب للبنان ما بعد رحيل الفلسطينيِّين. وعانى موفد ريغان فيليب حبيب من هذا الصراع الخفي. يومها التزم الرئيس أمين الجميل بالمظلة الأميركية. ولاحقاً جرى تجويف إتفاق 17 أيار قبل أن يسقط. وجاء التفجير الدامي لمقرّ "المارينز" في بيروت ليفتح الطريق أمام رحيل الأميركيِّين عن لبنان، ولتخلو الساحة أمام إسرائيل. وحلّت الكوارث الكبرى وفي طليعتها حرب التهجير الواسع للمسيحيِّين. ويومها بدا أنّ المناكفة الأميركية-الإسرائيلية تؤدّي لمنح الخطوة الأولى لواشنطن، لكنّ الخطوات اللاحقة تتحكّم بها إسرائيل وتكون دائماً كارثية. ونتنياهو مشبع بدروس غزة ومفاوضاتها وكمائنها، كما أنّ إسرائيل تتعلّم من دروس التاريخ. فهل نحن نفعل؟

الأكثر قراءة