سياسات وضعت العالم على حافة الهاوية!
محمود القيسي
Thursday, 12-Mar-2026 06:53

«إن كان ثمة شيء يُرتجى في هذا العالم، فهو أن أرى شعاع ضوء يسقط على ظلام حياتنا، مسلِّطاً نوعاً ما من النور على اللغز المستغلق لوجودنا». (شوبنهاور)

في ظلّ الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المتسارعة في أهم وأخطر جيوبوليتيك في العالم، رئة الطاقة وممراتها... وفي ظل الصواريخ والأسئلة المتطايرة في سماء الشرق الأوسط، والحروب المفتوحة منذ ما يزيد عن سبعة عقود بين «نكبة احتلال فلسطين عام 1948» و«النكبة الثانية في قطاع غزة» أو ما أُطلق عليها اسم «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول 2023، أصبح من الضروري إعادة تقييم تاريخي وسياسي، للعلاقات المعقّدة والمتشابكة بين الولايات المتحدة والمنطقة، من منظور تاريخي وسياسي عميق، يستعرض تطوُّر الدور الأميركي في المنطقة، بدءاً من المصالح المحدودة في أوائل القرن العشرين، وصولاً إلى التحوُّل الكبير بعد الحرب العالمية الثانية، حين حلّت محل القوى الاستعمارية التقليدية (بريطانيا وفرنسا).

 

مراجعة كيفية صياغة السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط خلال فترة الحرب الباردة، إذ كان المحرِّك الأساسي هو «احتواء» النفوذ السوفياتي وضمان تدفُّق النفط، ممّا أدّى إلى تحالفات استراتيجية معقّدة. مراجعة واسعة لتحليل مساحة الدعم الأميركي لإسرائيل، وتأثير ذلك على علاقات واشنطن بالدول العربية، وكيف أثر هذا الإنحياز على صورة الولايات المتحدة في المنطقة وعلى جهود السلام المتعاقبة من دون نتيجة تُذكر. توضيح كيف أمّن «أمن الطاقة» مكانة الشرق الأوسط كأولوية قصوى في الأجندة الأميركية، وكيف أدّت المصالح النفطية إلى تدخُّلات سياسية وعسكرية مباشرة أحياناً. مروراً بنقاط التحوُّل الكبرى مثل «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979، ومَن فتح وسهّل لها الطريق منذ ثلاثينات القرن الماضي حتى هبوط طائرة الخطوط الجوية الفرنسية في طهران حاملة الإمام الخميني، التي غيّرت موازين القوى، وصولاً إلى غزو العراق للكويت وما تبع ذلك من تواجد عسكري أميركي مكثف في المنطقة.

 

إعادة تقييم هجمات 11 أيلول على مبدأ «وعي الضرورة... ضرورة الوعي»، وما بعد تلك الأحداث والتحدّيات والتحوُّلات نحو سياسات «تغيير الأنظمة» ونشر الديمقراطية (غزو العراق 2003، ووضعه لقمة سائغة في فَم إيران التي احتلّت 4 عواصم عربية وأسّست ميليشيات أقوى من أقوى الجيوش الحديثة بحجة أو بالأحرى بكذبة «تحرير القدس»)، ومراجعة النتائج المترتبة على ذلك من انعدام الاستقرار، وصعود لجماعات متطرّفة غبّ العرض والطلب، وتقديم نقد شامل لباحثين مختصّين لقِصَر النظر أحياناً في السياسات الغربية عموماً والأميركية خصوصاً. وعدم فهم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لشعوب المنطقة. وضرورة فهم لماذا تتصرّف الولايات المتحدة بالطريقة التي نراها اليوم، وكيف تراكمت الأخطاء والنجاحات عبر العقود، لتُشكّل الواقع السياسي الذي وضع العالم كلّه على حافة الهاوية والانهيار، وكيف ترك العالم صعود المنظومة الثيوقراطية التوليتارية في شرايين جغرافية العالم الأهم وجودياً.

 

كتاب «صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيّتهم» للكاتب ديفيد ليفينغستون سميث، هو دراسة عميقة ومثيرة للقلق حول الظاهرة النفسية والاجتماعية المعروفة بـ«تجريد الآخر من إنسانيّته» (Dehumanization). الكتاب هو تشريح نفسي وتاريخي لأسوأ ما في الطبيعة البشرية، وهو «مانيفستو» يدعو لفهم كيف تُصنَع الكراهية، وكيف يمكننا الحفاظ على إنسانيّتنا تجاه الآخرين مهما اختلفنا معهم.

 

مفهوم تجريد الإنسان من إنسانيّته

يرى سميث أنّ تجريد الآخر من إنسانيّته ليس مجرّد استعارة أو مبالغة في الكلام، بل «حالة ذهنية» يقتنع فيها الفرد أو الجماعة بأنّ الآخرين، على رغم من مظهرهم البشري - ليسوا بشراً في جوهرهم، بل هم كائنات أدنى، مثل الحشرات، الطفيليات، أو الوحوش.

 

يوضّح الكتاب أنّ العقل البشري يمتلك قدرة غريبة على الإيمان، بأنّ كائناً ما يمكن أن يكون بشراً وبيولوجياً وغير بشر في آنٍ واحد. يشرح المؤلف كيف يُستغَل هذا التناقض النفسي عبر التاريخ لتبرير الفظائع. فليقتل إنسان إنساناً آخر بدم بارد، يحتاج أولاً إلى إقناع نفسه بأنّ الضحية ليست «إنساناً حقاً».

 

يستعرض الكتاب أمثلة تاريخية صارخة استُخدمت فيها هذه الاستراتيجية، مثل:

 

• الهولوكوست: كيف صوَّر النازيون اليهود كـ«جرذان» أو «ميكروبات».

• الإبادة الجماعية في رواندا: وصف «التوتسي» بالصراصير.

• العبودية: كيف صُنِّف السود ككائنات أقل مرتبة من البشر لتبرير استغلالهم.

 

يُركِّز سميث على دور الدعاية (البروباغندا)، اللغة، والخطاب السياسي في «صناعة الوحوش». تبدأ العملية غالباً بكلمات تصف الطرف الآخر بأوصاف مقزّزة أو مخيفة، ممّا يخلق حاجزاً عاطفياً يمنع التعاطف معه، ويُحوِّل القتل أو التعذيب إلى «واجب» لتطهير المجتمع من «الآفات».

 

يبحث المؤلِّف في علم النفس التطوُّري، مشيراً إلى أنّ لدى البشر نزعة طبيعية لتصنيف العالم إلى «نحن» و«هم». هذه النزعة يمكن التلاعب بها وتحويلها إلى أداة تدميرية عندما يشعر الناس بالتهديد أو عندما يسعى القادة للسيطرة.

 

الكتاب هو تحذير من أنّ «تجريد الآخر من إنسانيّته» ليس سلوكاً يقتصر على «الأشرار» أو «المجانين» في التاريخ، بل ممارسة يمكن أن ينزلق إليها أي مجتمع إذا غابت اليقظة الأخلاقية. ويهدف الكتاب إلى فهم هذه الآلية لنتمكّن من التعرُّف عليها ومقاومتها قبل أن تؤدّي إلى كوارث أو انزلاق إلى الهاوية.

الأكثر قراءة