في إحدى الليالي قبيل عيد الفصح، قالت شابة تبلغ من العمر 19 عاماً لعائلتها، إنّها لم تعُد قادرة على شرب الكحول. كانت تقضي عطلة العيد في منزل أسرتها في ولاية إنديانا، بعدما أنهت تقريباً سنتها الجامعية الثالثة في جامعة إنديانا في إنديانابوليس. كان العام جيداً إجمالاً، على رغم من الضغوط الدراسية التي كانت تواجهها.
في بداية حياتها الجامعية شاركت في سهرات الشرب المعتادة بين الطلاب، لكنّ الأمر تغيّر مؤخّراً. ففي إحدى الليالي خرجت مع أصدقائها إلى حانة، لكن بعد رشفة أو اثنتَين شعرت بغثيان شديد كأنّها على وشك التقيّؤ. ظنّت أنّ السبب ربما يعود إلى التوتّر أو الجفاف، ولم تُعطِ الأمر أهمية كبيرة.
في صباح عيد الفصح، أخبرت والدتها بشيء أقلقها أكثر: بدا لها أنّ بياض عينَيها أصبح مائلاً إلى الاصفرار. عندما دققت الأم النظر لاحظت اللون الأصفر الخفيف فعلاً. بحثتا سريعاً عبر الإنترنت، وهناك تعرّفتا على مصطلح لم تكونا تفهمانه جيداً: اليرقان. غالباً ما يشير هذا العرض إلى مشكلة في الكبد. ومع ذلك، حاولت العائلة تجاهل القلق موقتاً والانشغال بتحضير مائدة العيد التقليدية.
لكن أثناء العشاء، اضطرّت الشابة فجأةً إلى ترك الطعام، بعدما اجتاحها ألم حاد في البطن. هرعت إلى الحمام، ولم تتقيّأ، لكنّها شعرت بالإحباط والحرج. فقد كانت هذه النوبات من الألم تلازمها منذ سنوات أثناء تناول الطعام.
تجاهل الإشارات الأولى
في صباح اليوم التالي، اصطحبها والدها إلى قسم الطوارئ في مستشفى قريب. أظهرت تحاليل الدم أمراً مقلقاً: إنزيمات الكبد لديها كانت مرتفعة إلى مستويات هائلة، تصل إلى مئات المرات فوق المعدّل الطبيعي، ما يعني أنّ الكبد يتعرّض لضرر شديد.
بدأ الأطباء سلسلة من الفحوصات، شملت تنظيراً للمعدة والقولون ثم خزعة من الكبد. لكنّ النتائج الأولى جاءت طبيعية تقريباً، ما زاد الحيرة. وعندما ظهرت نتيجة الخزعة، تبيّن أنّ هناك التهاباً شديداً في الكبد. الاحتمالات الأكثر شيوعاً كانت عدوى فيروسية مثل التهاب الكبد، أو تفاعلاً مع دواء ما. غير أنّ الاختبارات استبعدت فيروسات التهاب الكبد A وB وC، كما لم تكن المريضة تتناول أدوية قد تؤذي الكبد.
لذلك، حُوِّلت إلى اختصاصية أمراض الكبد الدكتورة هيلين تي من جامعة شيكاغو. منذ اللحظة الأولى لاحظت الطبيبة الاصفرار الخفيف في العينَين والجلد. وبعد الاستماع إلى تاريخها الصحي، بما في ذلك إصابتها قبل أشهر بالتهاب الحلق الحاد الذي تطلّب عدة دورات من المضادات الحيوية، بدأت الطبيبة تميل إلى تشخيص مختلف: التهاب الكبد المناعي الذاتي.
الجهاز المناعي يهاجم الكبد
في هذا المرض يخطئ الجهاز المناعي في التعرُّف على خلايا الجسم، فيبدأ بمهاجمتها كما لو كانت أجساماً غريبة. في حالة هذه الشابة، كانت الخلايا المستهدفة هي خلايا الكبد. ارتفاع البروتينات في دمها، وارتفاع مادة البيليروبين التي تُسبِّب الاصفرار، دعما هذا الاحتمال. وعندما فُحِصَت عيِّنة الخزعة تحت المجهر، ظهرت خلايا مناعية تؤكّد التشخيص.
بدأ العلاج فوراً بجرعات عالية من دواء بريدنيزون، وهو من الكورتيكوستيرويدات التي تثبِّط جهاز المناعة. بعد أسبوع فقط، انخفضت مستويات البيليروبين بشكل كبير وتراجعت إنزيمات الكبد، ما دلّ إلى أنّ العلاج يعمل.
بعد 7 سنوات، استعادت الشابة حياتها الطبيعية إلى حدٍّ كبير. لون عينَيها وبشرتها عاد طبيعياً، وهي متزوّجة الآن ولديها مسيرة مهنية وتُخطِّط لتأسيس عائلة. ما زالت تتناول أدوية للسيطرة على المرض، وتحرص على نمط حياة صحي.