يبدو أفق الحرب الإسرائيلية على لبنان مقفلاً وغامضاً حتى الآن، وبالتالي ليس معروفاً متى وكيف ستنتهي، في انتظار ما ستحمله الأيام المقبلة من تطوّرات.
ما يزيد الوضع اللبناني تعقيداً وخطورة، أنّ أي مسعى ديبلوماسي حقيقي لإنهاء العدوان لم يبدأ بعد. وحده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقدّم باقتراح لوقف إطلاق النار، بعد تواصله مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والمسؤولين اللبنانيِّين، إلّا أنّ مبادرته انضمّت سريعاً إلى لائحة ضحايا الحرب، أولاً لأنّ الظرف العسكري والسياسي لم ينضج لطرحها، وثانياً لأنّ باريس لا تملك أصلاً قدرة التأثير على طرفَي المواجهة، خصوصاً نتنياهو الذي، وكما هو معروف، لا يستطيع أحد أن يضغط عليه سوى ترامب.
لكنّ الرئيس الأميركي ليس حالياً في وارد التدخّل للجم العدوان الإسرائيلي، بل العكس هو الصحيح، إذ إنّه أطلق يدَي نتنياهو في لبنان امتداداً لشراكتهما الكاملة في الحرب على إيران، والتي تصل مفاعيلها إلى «حزب الله» في اعتباره حليف طهران الاستراتيجي.
بهذا المعنى، فإنّ أوان التفاوض على وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية لم يحن بعد، والأرجح أنّه سيتأخّر بعض الوقت، في انتظار أن يرسم الميدان معادلاته التي ستُترجَم لاحقاً في السياسة.
وإلى أن تستقر التوازنات الميدانية على شكل نهائي، من الواضح أنّ نتنياهو بدأ الحرب بسقف مرتفع، عبر مطالبته الحكومة اللبنانية بالمبادرة إلى تجريد «حزب الله» من سلاحه، محذّراً من أنّها إذا لم تفعل، فالعواقب ستكون قاسية على لبنان.
أمّا «حزب الله»، فالسقف السياسي لمعركته هو التنفيذ المتوازن لاتفاق وقف الأعمال العدائية المولود في 27 تشرين الثاني 2024، أي إلزام إسرائيل بالإنسحاب الكامل من الجنوب ووقف الإعتداءات والاغتيالات بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى الإعمار.
بهذا المعنى، يريد الحزب أن تنتهي المواجهة بالعودة إلى تثبيت الاتفاق على قاعدة تصحيح الخلل الفادح بتطبيقه، وبالتالي ضمان تقيُّد طرفَيه معاً بمندرجاته، بعدما ظلّ ينفّذه من جانب واحد طيلة 15 شهراً مضت، في مقابل تفلّت تل أبيب منه، بينما توحي القيادة الإسرائيلية بأنّها تريد القفز فوقه وفرض وقائع جديدة تسمح لها بانتزاع مكاسب أمنية وسياسية، أفضل من تلك التي حصلت عليها بعد عدوان 2024.
ولأنّ موازين القوى هي التي سترسم شكل النهاية لهذه الحرب، يعتبر الحزب أنّ المطلوب لتحسين شروط التفاوض على تلك النهاية هو الصمود والثبات على أرض المعركة، ومنع الكيان الإسرائيلي من تحقيق إنجازات نوعية تمنحه الفرصة لفرض شروطه.
ويشير القريبون من الحزب، إلى أنّه ما كان ليقرّر دخول المعركة ويضع حداً لحرب الاستنزاف التي عانى منها كثيراً، لو لم يشعر بأنّه أصبح جاهزاً بالمقدار الكافي لخوض المواجهة وبأنّه استكمل إعداد العدّة اللازمة للقتال فترة طويلة، بعدما استخدم استراتيجية الغموض في إعادة ترميم قدراته واستعادة عافيته ولو نسبياً، وهذا ما عكسته مفاجأة ظهوره عند الحافة الأمامية في الجنوب والوتيرة التصاعدية في إطلاق صواريخه ومسيّراته.
واللافت، وفق هؤلاء، أنّ الإسرائيلي وخلافاً لما فعله خلال العدوان السابق، لم يستطع حتى الآن توجيه ضربات استثنائية الى الحزب الذي استفاد من دروس الحرب الماضية وعمد إلى تقليل أخطائها قدر الإمكان، من دون أن يعني ذلك أنّ العدو لم يعُد قادراً على تحقيق أي اختراقات استخباربة وتقنية، لكنّها باتت محدودة بالمقارنة مع ما سبق أن أنجزه قبل عام ونصف.