بدء تبلور وعي إقليمي لمخطط إسرائيل لإشعال الشرق الأوسط
الوزير القاضي محمد المرتضى
Tuesday, 10-Mar-2026 06:09

التحذيرات الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تؤكّد على حقيقةٍ واضحة: المشروع قديمٌ خطير، استفحل في هذه الأيام، يسعى إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة نزاعاتٍ مستمرّة، تُستنزف فيها الدول، وتُستباح السيادات، فلا يبقى الاّ كيانٌ واحدٌ في موقع القوّة، يُنفّذُ مشروعه التوسّعي، ويُهيْمن على شعوب المنطقة، ويستعبدها، ويستولي على مقدّراتها.

هذه التحذيرات تُمثّل إستعادةً واقعيةً للتاريخ والسياسات الإسرائيلية التي تعاملت مع محيطها ليس كفضاءٍ للتعايش، بل كساحةٍ قابلةٍ للإحتلال والقضم بعد إخضاعها بالقوة وإنهاكها ببثّ الفرقة والنزاعات بين مكوّناتها.

 

وخيرُ دليلٍ على صحّة هذا التحليل ما صرّح به وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، من أنّ الحرب الأخيرة على إيران حصلت في وقت كانت المفاوضات معها قد بلغت مرحلة متقدّمة في اتّجاه حلٍّ عادل، ما يُبرز المفارقة الكبرى: بينما كادت الديبلوماسية تفتح نافذة أمل لتفادي الصراع، سارع الإسرائيلي الى التصعيد العسكري ليُغلقها ويقضي على فرصة كبيرة لنجاحها، تحقيقاً لحربٍ تتوهّم اسرائيل بأنّها ستُمهّد لها الطريق لتنفيذ مشروعها في المنطقة.

 

وفضلاً عن محاولة الإخضاع بالقوّة، زخّمت اسرائيل جهود بثّ الفرقة بين المكوّنات، وها هي تستميت في محاولاتها استيلاد فوضى استراتيجية متعدّدة المحاور: تحريض المكوّن الكردي على الإنضمام الى جبهتها، إنزالها الجويّ قبل ايام في الأراضي العراقية للقيام سرّاً بقصف دولةٍ خليجية بطائرات مسيّرة لكي تُشعل الحرب بين هذه الدولة والعراق، محاولة زيادة الوضع أزمةً بين الإمارات وإيران من خلال تصريحات كاذبة زعمت فيها بأنّ الأخيرة قامت بقصف ايران، الإستهدافات في أذربيجان التي نفتها إيران، وأكّدت أن اسرائيل وراءها، تصريحات ليندسي غراهام، ظلّ الرئيس ترامب، الذي يهوّل على دول الخليج بوجوب الانخراط المباشر في المعركة... كلّها محاولات من اسرائيل ومن خلفَها، على القاعدة الثابتة: «فرّق تسُدْ» لإشعال الحروب في المنطقة وتعميق الشروخ بين شعوبها. بالمقابل، يعكس تزخيم التواصل في اليومين الأخيرين بين وزيري الخارجية الإيراني والسعودي، وعياً مشتركاً لهذا المخطط الإسرائيلي، ورفضاً للسقوط في فخّه، ما يُشكّل نقطة ضوءٍ في مواجهته.

 

والتمعّن في هذا المخطّط يوضح حجم الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل ومشاريعها، الأيام الأخيرة أثبتت أنّ الولايات المتحدّة الأميركية لا ترى الاّ ربيبتها، ولا تعمل الاّ لمصلحة هذه الأخيرة، أما باقي الدول والشعوب فمجرد وقود لا أكثر، ومن كان منهم ينظر اليها كداعمٍ أو حليفٍ أو حتى كوسيط عليه أن يراجع حساباته فوراً، وأن يتحرّر من هذا الوهم الذي لن يجرّ عليه، وعلى المنطقة برمّتها، الاّ الوبال والخراب.

 

مواجهة هذا المخطط تتطلّب بنية متكاملة من التحصين الاستراتيجي والسياسي والشعبي:

 

1. رفض الإنجرار إلى النزاعات المفتعلة: الحروب التي تصبُّ في خدمة مشروع التوسّع والهيمنة لا تؤدّي إلاّ إلى استنزاف الموارد، وإضعاف الشعوب، وقطع الطريق أمام أيّ استقلالية أو استقرار.

2. تعزيز التنسيق الإقليمي الفاعل: توحيد الجهود بين الدول والقوى المؤثّرة يُقلّص فرص استغلال الانقسامات ويضع حدوداً أمام المشاريع التوسّعيّة التي تعتمد على الفوضى والانقسام.

 

3. تثقيف الشعوب وإشراكها بالوعي الاستراتيجي: وعي الشعوب بمخاطر المخطط الإسرائيلي يحوّلها من وقود للنزاعات إلى عامل مانع، ويجعلها خط الدفاع الأوّل عن الحريّة والكرامة.

4. الضغط الاستراتيجي على الولايات المتحدة وشعبها ومصالحها لإيقاف هذا الجنون: الهدف الإسرائيلي من التصعيد لا يقتصر على تفجير المنطقة، بل يشمل أيضًا استنزاف القوى العالمية بما فيها واشنطن نفسها. لذلك على الدول والقيادات الإقليمية العمل على إظهار المخاطر الواضحة لهذا التصعيد على مصالح الولايات المتحدة الأميركية لإجبارها على إعادة تقييم سياستها تجاه مشاريع اسرائيل التخريبية، قبل أن يتحوّل التصعيد إلى كارثةٍ إقليميةٍ ودولية.

 

5. والأهم الثبات والصمود وإظهار إرادة السيادة: وهذا ما تتسمّ به الشعوب الحرّة التي لا ترى الحياة حياةً الاّ مع الحريّة، ويُسجّل للايرانيين بالأمس، اتفق معهم المرء ام اختلف، أنّهم رفضوا الإذعان والخنوع، ها هم يواجهون، ويملؤون الطرقات بالتظاهرات التي تعكس الوحدة، وانتخبوا مرشداً يعكس ثباتهم وارادتهم الحرّة... على شعوبنا أن تفهم أنّ التنازل لن يوقف العدوان، بل سيزيده وحشيةً وتمادياً في الغطرسة، وهذا ما عبّر عنه رفض الطلب للتفاوض المباشر الذي تقدّم به لبنان الرسمي، وفق ما صرّحت به «إكسيوس» بالأمس. الصمود ليس مجرد موقف دفاعي، بل رسالة واضحة بأنّ الإجرام والجنون لن يحققا شيئًا أمام عزيمة الشعوب وإرادتها الحياة بحرّيّة.

 

علّمنا التاريخ أنّ المشاريع التوسّعية لا تنهار بالقوّة العسكرية وحدها، بل أيضاً بوعي الشعوب وتماسكها ومقاومتها للإحتلال الفكري والسياسي وللعدوان العسكري. فالمنطقة التي تدرك أنّ تفجيرها هو الطريق الأقصر لإخضاعها، وتختار الوعي والتماسك، تمنح نفسها فرصة حقيقية للصمود، وتنأى بنفسها عن أن تكون وقوداً للعدوّ، وتُفشل المخطط قبل أن يتحقّق، وتضمن بذلك أن تقود مستقبلها نحو التنمية والأمن والإستقرار.

 

اليوم، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق: إما أن يُدفع إلى دوامة الحروب التي تُبقيه ضعيفاً ومشرّعاً أمام الهيمنة، أو أن يختار –إستدراكاً- طريق الوعي والتماسك والتعاون والتعملق. وفي لحظات كهذه، يصبح هذا، وبخاصة الوعي، خط الدفاع الأوّل عن حريّة المنطقة وكرامة شعوبها وسلامة مستقبلها، وعن حقّ كلّ مواطن في العيش بسلامٍ وأمان بعيداً من مشاريع السيطرة والإستيطان والتفجير... فأيّ الطريقين سنختار؟! اللهمّ ارزقنا الوعي وحُسْن التدبير!

الأكثر قراءة