مانشيت "الجمهورية": عون يغطي هيكل ويطلق مبادرة للحل... التمديد سنتين... وحملة مشبوهة ضدّ الجيش
Tuesday, 10-Mar-2026 05:38

المشهد الإقليمي يشهد ازدحاماً خانقاً باحتمالات مجهولة لا حدود لمداها الجغرافي، كما لا تقدير لما قد ترخيه من تداعيات دراماتيكية، في ظلّ التدحرج المتسارع للوقائع الحربية بوتيرة غاية في الخطورة والعنف، مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، أسبوعها الثاني، والتي تنذر مواقف مثلث الحرب الأميركي- الإسرائيلي- الإيراني، بانحدار إلى تصعيد أكبر.

 

وأما المشهد اللبناني، فأفقه مسدود، فلا حديث عن وساطات او حراكات جدّية لاحتواء التصعيد، ولا صوت يعلو على صوت الميدان العسكري والمواجهات العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و»حزب الله»، على طول المنطقة الجنوبية وصولاً إلى الحدود السورية، حيث أشّرت المجريات الحربية بوضوح إلى انّ إسرائيل تحاول أن تفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر توغّلات داخل القرى اللبنانية، او الإنزالات العسكرية على المناطق اللبنانية قرب الحدود السورية، كما حصل في النبي شيت وسرغايا. بالتزامن مع اعتداءات عنيفة على القرى اللبنانية وصولاً إلى الضاحية الجنوبية التي تعرّضت بالأمس لسلسلة غارات تدميرية، تركّزت على أبنية القرض الحسن.

 

وترافق ذلك مع حملة مشبوهة وغير مسبوقة على قائد الجيش العماد رودولف هيكل وإغراق البلد بشائعات عن ضغوط لاقالته، فيما يواجه البلد حربا شرسة، ويؤكد الجيش التزامه تنفيذ قرارات السلطة السياسية بكل مسؤولية.

 

ضبط الواقع السياسي على انّه في موازاة المشهد المتفجّر، أُنجزت امس، خطوة، اعتُبرت استباقية أملاها الجو الحربي لضبط الواقع السياسي الداخلي والحفاظ على انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وتمثلت في إقرار المجلس النيابي تمديد ولايته لسنتين، بأكثرية 76 صوتاً من أصل 128، واعتراض 41 صوتاً، وامتناع 4 نواب عن التصويت. وذلك في جلسة تشريعية عقدها المجلس في ساحة النجمة برئاسة الرئيس نبيه بري وحضور الحكومة.

مزايدات وشعبويات

وإذا كانت أجواء الجلسة اتسمت بالهدوء بصورة عامة، الّا انّها كانت أسيرة في بعض جوانبها لمنطق الشعبويات والمزايدات الذي عبّرت عنه بصراحة فاقعة جهات نيابية مختلفة، غلب عليها الطابع السيادي والتغييري، حيث تبرأت من هذا التمديد وظهّرت نفسها حريصة على اللعبة الديموقراطية، فيما هذه الجهات نفسها كانت عشية الجلسة تقارب التمديد كإجراء لا بدّ منه في ظلّ الظروف القاهرة التي يمرّ فيها البلد. وقمة المزايدة تجلّت في تسابق هؤلاء على القنوات والشاشات لمخاطبة الجمهور وإعلان التبرّؤ من التمديد. عملياً، صار التمديد أمراً واقعاً، الّا إذا طرأت حوله امور أخرى، كمثل أن تبادر جهات نيابية إلى الطعن بقانون التمديد أمام المجلس الدستوري. مع الإشارة إلى انّ تقديم الطعن ليس مستبعداً، ولكن ليس الإمكان مسبقاً تقدير ما سيكون عليه قرار المجلس الدستوري إن تلقّى مراجعة طعن في هذا الشأن. لكن النتيجة الفورية لإقرار التمديد انّه فتح الحلبة السياسية الداخلية على ما يُسمّى «سجال التمديد» بلا أي طائل في ظرف أمني هو الأصعب على لبنان.

 

لماذا التمديد سنتين

اما لماذا التمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين، فتورد مصادر نيابية مسؤولة عبر «الجمهورية» الملاحظات التالية:

 

اولاً، المسار الأفضل هو إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لكن الظروف التي نشأت حالت دون ذلك.

ثانياً، التمديد هو آخر الدواء بعلم الجميع من دون استثناء وبموافقة الجميع من دون استثناء، لا احد يستطيع ان ينفي ذلك، كلهم وافقوا على التمديد، وتوفّر إجماع حوله، وتجلّى هذا الإجماع مع ضيق الوقت الذي حكم الجميع، حيث انّ الأحداث الأمنية طرأت على مسافة ايام قليلة من انتهاء مهلة تقديم الترشيحات (التي تنتهي اليوم في 10 آذار). وكدليل واضح على هذا الإجماع هي جملة الطروحات التي قُدّمت للتمديد؛ بين اربعة اشهر، وتمديد لستة اشهر، وتمديد لتسعة اشهر، وتمديد لسنة، وتمديد لسنة ونصف، وحتى اقتراحات للتمديد لأكثر من سنتين، وتبعاً لذلك، لا يستطيع أيّ طرف أن يصور انّ نواباً أخطأوا فيما هو يبرئ نفسه مما كان يسعى اليه، ويزايد سياسياً وشعبوياً. فهل كان هذا الطرف اياً كان، سيزايد وسيتحفظ فيما لو أقرّ المجلس اقتراح التمديد الذي يريده؟

 

ثالثاً، انّ التمديد سنتين، لا يعني بشكلّ من الأشكال انّ المجلس شهد تمديداً لأجل التمديد، ولا يجير بشكل من الأشكال اتهام النواب بأنّهم مدّدوا لأنفسهم، هناك ظرف قاهر فرض نفسه، وكان لا بدّ من إجراء إنقاذي، والمجلس بادر إلى هذا الإجراء وفق أولوية وضرورة انتظام عمل المؤسسة التشريعية. اما لماذا التمديد سنتين، فلأنّه ليس معلوماً متى تتوقف الحرب التي تشي مجرياتها بأنّها مفتوحة لأمد غير معلوم، فربما شهر وربما لشهرين وربما أكثر. ثم انّه بعد انتهاء الحرب، فمن يقدّر ما سيكون عليه الحال، ومن يقدّر أي واقع سيكون آنذاك، بل من يقدّر حجم التداعيات والأضرار التي قد تنجم عنها، خصوصاً في المناطق المستهدفة، ما يعطي الأولوية التفرّغ لمواكبة هذه التداعيات ومحاولة احتوائها، وهذا قد يتطلّب أشهراً على الاقل.

 

رابعاً، التمديد لسنتين هو الخيار الأفضل، ولا يستدعي أن يُثار حوله ضجيج وافتعالات في غير زمانها ومكانها. خصوصاً انّ الحرب إن انتهت في وقت قريب، فساعتئذ، ليس ما يمنع على الإطلاق انعقاد الهيئة العامة للمجلس، وإقرار تقصير تمديد السنتين، وتنقية القانون الانتخابي من الشوائب التي تعتريه، وتحديد موعد جديد لإجراء الانتخابات.

خامساً، ما يبعث على الأسف، هو الصخب المفتعل من أطراف تفتش عن فرصة للمناكدة والمكايدة، والمؤسف اكثر ان يشارك في الجو الاعتراضي وإطلاق المحاضرات بالعفة والحرص على العملية الديموقراطية، جهات نيابية سيادية وغير سيادية كانت تتوسّل التمديد سراً وعلناً، لأنّها من جهة كانت متيقنة أن لا مكان لها في المجلس النيابي المقبل، حتى انّ بعضها، خلال الفترة التحضيرية لانتخابات 10 ايار، لم يجد حليفاً يشاركه، ولا لائحة تؤويه.

 

إرباك سياسي

وعلى المقلب السياسي الآخر، إرباك شامل، يتوزّع على محورين؛ الأول؛ المحور الأمني في ظل التطورات الحربية المتسارعة، والإعتداءات الإسرائيلية المكثفة على المناطق اللبنانية، التي يتزايد تفاقمها في غياب كلّي لحركة الوساطات والحراكات لاحتواء الامور وتهدئة الوضع. ما يعني في رأي مصادر رفيعة «انّ الميدان متروك، وما خلا الحضور الفرنسي على خط الأزمة، والذي يبدو انّه قد فُرمل، فلا استجابة من قبل الأطراف المعنية لرغبة الدولة اللبنانية في إنهاء الحرب والجلوس على طاولة المفاوضات. والرهان في هذا الأمر هو على الجانب الأميركي، الذي لم يعط حتى الآن أي اشارة إيجابية في هذا الشأن، برغم الاتصالات التي تكثفت في اتجاهه في الآونة الاخيرة».

 

وإذا كان هذا الانكفاء الأميركي عن المسعى الديبلوماسي، كما تقول المصادر عينها قد يُفسّر بنية سليمة بأنّ لبنان لا يشكّل اولوية لواشنطن في هذه المرحلة التي تتفرّغ فيها الولايات المتحدة الأميركية للحرب على إيران، ووضع لبنان يأتي تالياً لها بعد انتهاء الحرب، كما انّه قد يفسّر، وهنا الأمر الخطير، اعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة عدوانها، حتى تحقيق الهدف الذي أعلنته بأنّ عملياتها العسكرية ستتواصل في لبنان حتى القضاء على «حزب الله» ونزع سلاحه، وهذا قد يوضّح عدم التجاوب الأميركي والإسرائيلي مع الحراك الديبلوماسي الذي قاده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لوقف الحرب على لبنان».

 

ورداً على سؤال تؤكّد المصادر الرفيعة انّ حركة الاتصالات الخارجية متواصلة من قبل لبنان، ولكن لا يوجد حتى الآن ما يعوّل عليه، او بمعنى أدق تأكيدات او تطمينات حول حراكات قريبة من اي جهة، وهذا يعني بصورة غير مباشرة انّ لبنان خارج دائرة الاهتمام الخارجي، الأمر الذي يعزز احتمال بقائه في دائرة الحرب والاحتمالات السلبية إلى مدى غير معلوم».

 

هجوم مشبوه

واما المحور الثاني، فهو إرباك الداخل بالتصويب المتعمّد على الجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل، على خلفية الكلام الاخير الصادر عن قائد الجيش، والذي اكّد فيه وقوف الجيش على مسافة واحدة من كل اللبنانيين ويتعامل معهم انطلاقاً من موقعه الوطني الجامع، وانّ المرحلة الدقيقة ترتبط ببقاء لبنان، والحل ليس عسكرياً فقط، انما يحتاج إلى التعاون والتكامل بين الجهود السياسية والرسمية على مختلف المستويات، في موازاة جهود الجيش بهدف تحصين الوحدة الوطنية وتجاوز التحّديات». والأهم في ما قاله: «انّ الحل في لبنان يرتكز على تحقيق عاملين أساسيين، الأول إلزام اسرائيل بوقف الاعتداءات والخروقات المستمرة لسيادة لبنان واستقراره، والثاني تعزيز إمكانات المؤسسة العسكرية كي تكون قادرة على تنفيذ المهمات الملقاة على عاتقها».

 

عون وبري

والمريب في الأمر، أنّ جهات التصويب على قائد الجيش، أدرجت كلامه في خانة النقيض لقرار الحكومة، وهو ما سبب امتعاضاً حكومياً، وتحديداً من قبل رئيسها، وترافق ذلك مع ترويجات من قبل الجهات نفسها عن عدم رضى خارجي على قائد الجيش، وصولاً إلى ضخ شائعات عن إشارات خارجية تطرح أسماء بديلة للقائد على رأس المؤسسة العسكرية، خلافا للحقائق والواقع.

 

ووسط استمرار هذه الحملة، اكّد مرجع كبير لـ»الجمهورية»، انّ «المسّ بالجيش اللبناني هو مسّ بالسيادة والكرامة وجريمة كبرى لا تُغتفر». فيما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زواره امس: «ما حدا يفكّر في المسّ بالجيش من الجندي إلى القائد رودولف هيكل».( كان هيكل قد زار أمس رئيس الحكومة نواف سلام وجرى عرض التطورات الأمنية اضافة إلى المستجدات المرتبطة بالحملة الإعلامية واسبابها).

 

وبرز في هذا السياق، موقف لافت لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، امام سفراء الدانمارك والسويد والنروج، قال فيه: «قرار الحكومة المتعلق بحصر السلاح سيُنفذ وفقاً للخطة التي وضعتها قيادة الجيش متى سمحت الظروف الأمنية لذلك، وبالتالي فإنّ التعرّض للجيش او لقائده في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة في آن، هو موقف مرفوض ومستغرب ومشبوه، لأنّه يصبّ في محاولات تقويض سلطة الدولة والتشكيك بقدراتها، ويتناغم بشكل أو بآخر مع أهداف العاملين على زجّ لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة تخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين الذين سئموا الحروب وتداعياتها ويتمسكون بحق الدولة وحدها في اتخاذ قرار الحرب والسلم».

 

مبادرة عون

وخلال كلمة ألقاها في الاجتماع الافتراضي عبر تقنية الفيديو (VTC) الذي نظّمه رئيس المجلس الاوروبي انطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الاوروبية السيدة اورسولا فون دير لاين، اعتبر عون «أنّ إطلاق صواريخ، من لبنان على إسرائيل، كان فخاً وكميناً للبنان، والدولة اللبنانية وللشعب اللبناني وللقوى المسلحة اللبنانية. فهناك من أراد من هذه الصواريخ، استدراج الجيش الإسرائيلي للتوغل داخل لبنان، ولاجتياح بعض مناطقه، وربما حتى لاحتلالها. وذلك من أجل حشر لبنان بين خيارين: إما الدخول في مواجهة مباشرة مع العدوان الإسرائيلي المتفلت من أي قيود قانونية أو إنسانية، بما يؤدي إلى تحويل لبنان غزة ثانية. وتحويل مليوني لبناني أو أكثر، نازحين مهجّرين مشردين لاجئين بلا منزل، وربما لاحقاً بلا وطن. بما يعني سقوط الدولة اللبنانية من خارجها. وإما الانكفاء عن تلك المواجهة، وبالتالي خروج الفريق المسلح نفسه، بحملة شعبوية تحت عنوان مزعوم، عن عجز الدولة عن حماية شعبها. وبالتالي العودة إلى شعاراته المضلّلة عن أنّ سلاحه الخارج عن الدولة وعن إجماع اللبنانيين، هو شرعي وضروري. وبالتالي إسقاط الدولة اللبنانية من داخلها».

اضاف: «إنّ من أطلق تلك الصواريخ، أراد أن يشتري سقوط دولة لبنان، تحت العدوان والفوضى، ولو بثمن تدمير عشرات قرانا وسقوط عشرات الآلاف من أهلنا. من أجل حسابات النظام الإيراني وهذا ما أحبطناه حتى اللحظة وما سنظل نعمل لإسقاطه وإحباطه».

 

وقال: «إزاء التصعيد الجديد، اتخذت حكومة لبنان في 2 آذار الجاري، قراراً واضحاً لا عودة عنه، يقضي بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لـ»حزب الله». وهو ما نريد تنفيذه بشكل واضح وحاسم. لذلك ندعو الآن، كل العالم لمساعدتنا من أجل دعم وتنفيذ مبادرة جديدة، قوامها التالي:

 

أ- إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان.

ب- المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية.

 

ج- تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ومصادرة سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها.

د- بشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.

الأكثر قراءة