حملت الإطلالة الأولى لأمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، بعد تجدُّد العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان، رسائل عدة موجّهة نحو الداخل، في محاولة لتصحيح ما يعتبرها «أخطاء شائعة»، عقب ارتفاع أصوات رسمية وسياسية تحمّل الحزب المسؤولية عن اندلاع المواجهة الجديدة.
لعلّ أكثر ما يُلفِت في خطاب الشيخ قاسم هو تركيزه على «لبننة» الحرب الحالية التي يخوضها الحزب مع «إسرائيل»، وفصلها عمّا يجري على الساحة الإيرانية، وهي مقاربة لن تُقنِع خصومه، لكنّها تُحاكي في جانب منها «البيئة» المتضرّرة من العدوان الإسرائيلي لتفكيك الدعاية المضادة التي تتعرّض لها.
وما يجدر التوقف عنده في هذا السياق، أنّ قاسم لم يأتِ على ذكر إيران في خطابه سوى مرّة واحدة، عندما أشار إلى أنّ إطلاق الصلية الصاروخية الأولى من الجنوب هو ردّ على 15 شهراً من الإعتداءات الإسرائيلية «وعلى الاستباحة الإسرائيلية لكل شيء يرتبط بنا، ومن هذه الاستباحة استهداف المرجع الديني الكبير الإمام السيد الخامنئي».
ما خلا ذلك، لم ترِد إيران في أي مكان من كلمة قاسم، الذي لم يتطرّق بتاتاً إلى مجريات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية وتداعياتها الإقليمية، محاولاً أن يعطي المواجهة في لبنان خصوصية وطنية، رداً على الحملة التي تعرّض لها الحزب من قِبل خصومه، واتهمته بأنّه جرّ البلد إلى آتون الحرب خدمة للمصالح الإيرانية حصراً وبإيعاز مباشر من طهران.
بهذا المعنى، أراد قاسم أن يؤكّد أنّ حزبه يقاتل وفق أجندة لبنانية، وإن كان التوقيت ارتبط ببدء الحرب على الجمهوربة الإسلامية، لأسباب تتصل بمحاولته تحسين شروط معركته، على قاعدة أنّ خوضها بالاشتراك مع إيران هو أفضل بالمعايير العسكرية والاستراتيجية من أن يخوضها لوحده ويُستفرَد به.
وقد تعمّد قاسم إعطاء إشارة واضحة في هذا الصدد بقوله: «إننا نقاتل دفاعاً عن شعبنا ومستقبل أبنائنا ووطننا، وفي مواجهة استهدافنا المباشر واستهداف بلدنا، وهذا القتال ليس مرتبطاً بأي معركة أخرى، وما نريده هو وقف العدوان الإسرائيلي - الأميركي والانسحاب الإسرائيلي».
أي أنّ قاسم حدّد سقفاً لبنانياً للمواجهة التي يخوضها «حزب الله»، رابطاً إياها بأهداف يعتبرها مشروعة، كونها على صلة بإنهاء الإعتداءات المتواصلة منذ 15 شهراً وتحرير الأرض المحتلة، وذلك بمعزل عن المطالب التي تنادي بها طهران أو المصالح التي تدافع عنها على جبهة القتال مع الأميركيِّين والإسرائيليِّين.
إلّا أنّ ذلك لا ينفي، في حسابات الحزب، أنّ التناغم العسكري بينه وبين إيران في الميدان هو مفيد ويزيد الضغط على العدو المشترك، وأنّ صمود كل منهما يعزّز تلقائياً موقع الآخر وقدرته على تحقيق أهدافه تبعاً لخصوصية ساحته.
البُعد الآخر الذي انطوت عليه إطلالة قاسم، تمثل في دعوته إلى تعزيز الوحدة الوطنية التي شدّد على أهمّيتها في مواجهة العدوان الإسرائيلي، متفادياً الخوض في سجال مع خصوم الحزب الذين شنّوا حملة عنيفة عليه بعد إطلاقه الصواريخ، بل هو اقترح عليهم «أن نفتح صفحة جديدة معاً والتوحّد حول أولوية المواجهة وبعدها نناقش القضايا الأخرى ونتفق عليها»، ما يعكس سعي الأمين العام للحزب إلى تجنّب الإشتباك الداخلي، على قاعدة أنّ لا صوت يعلو في الوقت الحاضر على صوت المعركة ضدّ التهديد الإسرائيلي الوجودي.