في زمن الحروب... الحكمة والوحدة واجب وطني
فادي عبود
Friday, 06-Mar-2026 04:09

يمرّ لبنان اليوم بواحدة من أدقّ المراحل في تاريخه الحديث، في ظلّ الحروب المشتعلة في المنطقة والتوتّرات التي تتجاوز حدود الدول وقدراتها. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على لبنان واستقراره الهدف الأول الذي يجب أن تتكاتف حوله كل الجهود.

من هنا، لا بُدّ من توجيه التحية والتقدير للجهود التي يبذلها فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون ودولة الرئيس نواف سلام، في مساعيهما المتواصلة لتحييد لبنان قدر الإمكان عن صراعات لا طاقة له على تحمّل تبعاتها. فالمسار الذي تعتمده الدولة، عبر القرارات الحكومية والاتصالات الديبلوماسية الدولية، يعكس وعياً عميقاً لخطورة المرحلة، وضرورة استخدام كل الوسائل المتاحة لتخفيف تداعيات ما يجري على الداخل اللبناني.
إنّ السعي الدؤوب لحصر التداعيات ومنع الانزلاق نحو مزيد من التورّط، هو في حدّ ذاته موقف مسؤول يستحق الدعم. فلبنان الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية عميقة، لا يحتمل مغامرات جديدة قد تُدمّر ما تبقّى من مقوّمات صموده.
إنّ الإنقسام الداخلي في أوقات الأزمات الكبرى لا يؤدّي إلّا إلى إضعاف الدولة وإرباك المجتمع، فيما يحتاج اللبنانيّون اليوم إلى خطاب مسؤول، يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويبتعد عن القصف السياسي المتبادل الذي لا يخدم إلّا زيادة الانقسام، في لحظة يُفترَض أن تتقدّم فيها روح التضامن.
إنّ إدخال لبنان في مغامرات عسكرية جديدة هو مقامرة قد تصل إلى حدّ الإنتحار الوطني وجريمة بكل المقاييس. فكل جولة حرب إضافية لا تعني إلّا المزيد من الخسائر للبنان: في اقتصاده، في استقراره، في أرضه، وفي مستقبله. والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه هنا: هل هذا هو المطلوب للبنان؟
إذا أردنا فعلاً حماية هذا البلد، فلا بُدّ من التمسك بتطبيق كل الاتفاقيات والالتزامات الدولية التي تساهم في تثبيت الاستقرار، وتؤمّن للبنان شبكة أمان سياسية وديبلوماسية. فاحترام هذه الإلتزامات لا يُضعف لبنان، بل يمنحه الحجة والشرعية ليطالب المجتمع الدولي بحمايته ودعمه.
كلّما التزم لبنان بالقواعد والاتفاقيات، ازداد رصيده في المجتمع الدولي، وأصبح قادراً على تقديم البراهين لِمَن يريد مساعدته أو الوقوف إلى جانبه. أمّا فتح جبهات جديدة أو الإنزلاق إلى مواجهات لا قدرة له على تحمّلها، فلن يؤدّي إلّا إلى خسائر إضافية تعمّق أزماته.
لقد أثبت اللبنانيّون مراراً أنّهم قادرون على تجاوز أصعب الظروف عندما تتقدّم الروح الوطنية على الانقسامات. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى هذا الوعي الجماعي: دعم جهود الدولة في حماية البلاد، والتمسّك بالحكمة السياسية التي تمنع انزلاق الوطن إلى مغامرات مدمّرة.
ففي زمن الحروب الكبرى، قد يكون أعظم إنجاز هو تجنيب الوطن المزيد من الدمار، وأسمى أشكال الوطنية هو حماية لبنان قبل أي شيء آخر.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى هذا الوعي الجماعي: دعم جهود الدولة في حماية البلاد، وتعزيز التضامن بين أبنائه والالتفاف حول الجيش الوطني.

الأكثر قراءة