بات واضحاً أنّ طهران تدير اليوم واحدة من أكثر جولات التفاوض تعقيداً في التاريخ المعاصر، باعتماد استراتيجية «ألف ليلة وليلة». فطاولة المفاوضات تريدها حكاية لا تنتهي، ترويها طهران على مسامع «شهريار» البيت الأبيض دونالد ترامب، ليس بهدف الوصول إلى اتفاق، بل لإطالة أمد الليالي حتى يدرك الوقت غايته. فماذا عن الليلة 1001؟
تدرك إيران أنّ ترامب العائد إلى البيت الأبيض بزخم رجل الأعمال، يبحث عن صفقة كبرى تنهي صداع الشرق الأوسط وتفتح لواشنطن وشركاتها أبواب الاستثمارات. وهي تدرس الصيغ المناسبة للحفاظ على برنامجها النووي وقدراتها الموازية باللعب على هذا العامل. وتقدّر التقارير الدولية أنّ إيران تمتلك حالياً أكثر من 400 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وهي تفكر في أنّها يمكن أن تدفع ثمناً معيناً مقابل الحفاظ على هذه القدرات وإمكانات تطويرها. والطريقة التي تتبعها هي إبقاء ترامب معلّقاً بآمال التفاوض لمنعه من تسديد الضربة الكبرى.
تعتمد الخطة الإيرانية حالياً على مبدأ فصل الملفات، وهو ما ترفضه واشنطن ظاهرياً ولكنها تنزلق إليه واقعياً. ففي المجال النووي، توحي طهران باستعداد لتقديم التنازلات، لكنها في الواقع شكلية، كالسماح بزيارات محدودة للوكالة الدولية. وكذلك، في ملف الصواريخ الباليستية هي تقترح وضع هذه الصواريخ في وضعية «الصندوق المقفل»، وتطرح أن يرتبط مصيرها بمفاوضات إقليمية شاملة قد لا تبدأ أبداً. والأمر يشبه ما يطرحه «حزب الله» في لبنان في شأن سلاحه، أي الاحتواء في المخازن، مقابل ضمانات بعدم استخدامه.
طهران تخاطب غريزة ترامب التجارية عبر التلميح بفتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأميركية، خصوصاً في قطاع الطاقة، مقابل رفع العقوبات النفطية التي هبطت بصادراتها إلى مستويات متدنية. أي إنّها تريد تحويل طبيعة المواجهة والتفاوض من أمنية ـ أيديولوجية إلى استثمارية ـ براغماتية. وهدفها الأول هو تحرير ما يزيد عن 100 مليار دولار محتجزة في مصارف الصين وكوريا الجنوبية والعراق. وهذه السيولة تمثل حاجة حيوية للاقتصاد الإيراني الذي يعاني تضخماً تجاوز الـ 40% أواخر 2025. كذلك، تطلق طهران تسريبات مدروسة عن استعدادها لمنح شركات أميركية كبرى مثل «إكسون موبيل» و«شيفرون» حقوق امتياز في حقول الغاز المشتركة أو تطوير حقول النفط القديمة، إضافة إلى استثمارات أميركية مباشرة في البنية التحتية والمناجم الإيرانية الغنية بالمعادن النادرة التي يحتاج إليها قطاع التكنولوجيا الأميركي.
وتراقب طهران بعناية كيف تعامل ترامب مع ملفات دولية أخرى كفنزويلا. فهو يفضّل الشراكة الاقتصادية على حرب الاستنزاف. والخطة الإيرانية تعتمد على إقناع البيت الأبيض بأنّ إيران المستقرة اقتصادياً والمفتوحة للاستثمارات الأميركية هي ضمان للأمن الإقليمي أكثر من إيران المحاصرة التي قد تنفجر في أي لحظة. ويطرح الإيرانيون أنفسهم كسوق خام تضمّ 85 مليون مستهلك، مع بنية تحتية رقمية ونسبة شباب متعلم هي الأعلى في المنطقة، وهذا ما يداعب خيال أي مستثمر عقاري أو صناعي مثل ترامب.
وتذهب التوقعات إلى أنّ طهران قد توافق في الربع الثاني من العام 2026 على «اتفاق إطار اقتصادي» يتضمن إنشاء مناطق تجارة حرة صناعية بتمويل مشترك أميركي ـ إيراني ـ خليجي على مضيق هرمز، لضمان أمن الملاحة. ومقابل هذا الانفتاح، تلتزم طهران بتبريد جبهات حلفائها، وتحويلهم من أدوات ضغط عسكري إلى حراس للمصالح الاقتصادية الناشئة، وهو ما يفسّر وضعهم حالياً في «ثلاجة الانتظار»، من «حزب الله» في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بـ«الحشد الشعبي» في العراق.
إذا نجحت طهران في إغراء ترامب بالخيار الاقتصادي، ستكون قد حققت «ضربة معلم»: حافظت على جوهر قوتها واستعادت أموالها المنهوبة، وأيضاً عطّلت هجومية بنيامين نتنياهو. وهي تراقب مناخات التوتر السياسي في الداخل الإسرائيلي، وتراهن على أنّ استمرار المفاوضات مع واشنطن سيعطّل نتنياهو، الذي يرى في الخيار العسكري وسيلة بقائه الوحيدة. أي إنّها تريد شراء الوقت حتى يمل ترامب من ضغوط نتنياهو، مفضّلاً مسار الصفقة المربحة.
إذاً، ماذا عندما تنتهي الـ«ألف ليلة وليلة»، أي نصل إلى الليلة 1001 من مفاوضات طهران ـ واشنطن؟ إذا نجحت «شهرزاد» في إقناع «شهريار» بأنّ الحكاية المقبلة أجمل وأكثر ربحاً، فإنّها ستخرج من هذه المواجهة بـ»طفلها» النووي سالماً، وبملياراتها محرّرة، تاركةً المنطقة أمام واقع جيوسياسي جديد لم تكن فيه الصواريخ البالستية إلّا جزءاً من الديكور.