لا يمكن الجزم بما قد يُقدم عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقرارات الحرب والسلم ترتبط بحسابات معقّدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وبالأمن القومي، بالإضافة إلى اعتبارات الداخل الأميركي والانتخابات والكونغرس والرأي العام. وكل ما يُطرح في الإعلام ومراكز الدراسات، يبقى في إطار التحليل القابل للصواب والخطأ. وانطلاقاً من ذلك، يبدو أنّ خيار الحرب الشاملة ضدّ إيران ليس قراراً سهلاً، ليس لأنّ الولايات المتحدة ضعيفة - فهي تمتلك أكبر قوّة عسكرية وتكنولوجية في العالم - بل لأنّ أي حرب من هذا النوع ستكون مكلفة، ومفتوحة على احتمالات خطيرة تتجاوز حدود الإقليم.
أولاً: الجغرافيا عامل حاسم
يشكّل البُعد الجغرافي بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط تحدّياً لوجستياً كبيراً. فتعزيز القوات ونقل الذخائر والإمدادات يتطلّبان جسوراً جوية وبحرّية ممتدة، وقواعد ارتكاز إقليمية، وتنسيقاً سياسياً مع دول مضيفة. في المقابل، تقاتل إيران ضمن نطاقها الجغرافي المباشر، مستفيدة من عمقها الاستراتيجي ومساحتها الواسعة التي تقارب 1,7 مليون كلم²، وتضاريسها الجبلية المعقّدة التي تمنحها ميزات دفاعية واضحة في حال التعرّض لهجوم واسع.
كما أنّ انتشار القواعد الأميركية في الدول العربية يجعلها نقاط ارتكاز مهمّة، لكنّه يضعها أيضاً ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، ما يفرض معادلة ردع متبادلة قائمة على القدرة على الإيذاء لا على الحسم السريع.
ثانياً: الأسطول الأميركي بين الردع والمخاطرة
الوجود البحري الأميركي في مياه المنطقة، ولا سيما حاملات الطائرات، يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الردع. غير أنّ تطوّر الترسانة الإيرانية من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات الهجومية - وإعلان طهران تطوير تقنيات فرط صوتية - يجعل أي انتشار بحري مكثف عرضة لمخاطر محسوبة. وكما يحسب الانتشار نقطة قوّة للأميركي فهو بذات النسبة، نقطة ضعف لأنّه تحت نيران إيران. وفي بيئة عسكرية تعتمد على الصواريخ الدقيقة والحرب غير المتكافئة، يمكن لضربة مؤثرة أن تحمل أثماناً سياسية وعسكرية باهظة، حتى لو لم تغيّر ميزان القوى جذرياً. وهنا تتحوّل أرض إيران عملياً إلى «حاملة صواريخ برّية» مترامية الأطراف، يصعب تحييدها بضربة خاطفة.
ثالثاً: إقفال مضيق هرمز وتداعيات الطاقة
يمثل مضيق هرمز إحدى أهم أوراق القوة الاستراتيجية بيَد إيران. فالمضيق يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، بالإضافة إلى كمّيات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. أي تعطيل جزئي أو كلي لحركة الملاحة فيه قد يدفع أسعار الطاقة إلى ارتفاعات حادة، ويؤدّي إلى موجات تضخّمية عالمية، ويضغط على اقتصادات كبرى في آسيا وأوروبا. صحيح أنّ إغلاق المضيق بالكامل ليس خطوة سهلة أو بلا كلفة على إيران نفسها، لكنّه يبقى أداة ضغط استراتيجية في حال اندلاع مواجهة واسعة، خصوصاً إذا ترافق مع تهديدات للملاحة في البحر الأحمر أو شرق المتوسط.
رابعاً: دروس الحرب العراقية - الإيرانية
إيران لا ترهبها تهديدات ترامب ولا الحروب... فعقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، شنّ الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين حرباً على إيران استمرّت 8 سنوات (1980-1988)، في ما عُرف بالحرب العراقية- الإيرانية. وعلى رغم من الدعم الواسع الذي تلقّاه العراق آنذاك، لم تنتهِ الحرب بهزيمة إيران أو انهيار نظامها.
اليوم تغيّرت المعادلة كلياً. فإيران تمتلك ترسانة صاروخية متقدّمة، وبرنامجاً واسعاً للطائرات المسيّرة، وشبكة من الحلفاء الإقليميّين غير الدوليّين، وخبرة قتالية تراكمت عبر عقود من الصراعات غير المباشرة. وبالتالي، فإنّ أي مواجهة مباشرة قد تتحوّل إلى حرب استنزاف طويلة، لا إلى معركة خاطفة محسومة النتائج.
خامساً: إسرائيل في دائرة الاستهداف
تشكّل إسرائيل نقطة صعف مركزيةً في أي صراع محتمل. ففي حال اندلاع حرب واسعة، ستصبح هدفاً مباشراً للصواريخ الإيرانية أو لهجمات عبر جبهات متعدّدة، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع. كما أنّ أي تصعيد كبير من شانه أن يؤدّي إلى تغيير معادلات الردع التي فرضتها تطورات السنتَين الماضيتَين في المنطقة.
سادساً: اتساع نطاق الحرب إقليمياً
من غير المرجّح أن تبقى أي مواجهة واسعة محصورة بين واشنطن وطهران. فالساحات الإقليمية (من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن) قد تتحوّل إلى مسارح اشتباك. وهذا يعني تهديداً لأمن الطاقة، وحركة الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي العالمي. حرب متعدّدة الجبهات، حتى لو بقِيت من دون مستوى الغزو الشامل، قد تستنزف جميع الأطراف وتزيد من هشاشة النظام الإقليمي.
سابعاً: حسابات الصين وروسيا
من غير المتوقع أن تقف كل من الصين وروسيا موقف المتفرج إذا تعرّضت مصالحهما الاستراتيجية لتهديد مباشر، خصوصاً في الموضوع النفطي والاقتصادي. فإيران تمثل حلقة مهمّة في مشروع الحزام والطريق الصينية، كما تُعدّ جزءاً من ممرات نقل حيوية تربط آسيا بأوروبا.
أمّا موسكو، فترى في طهران شريكاً مهمّاً في موازنة النفوذ الغربي، سواء في أسواق الطاقة أو في ملفات إقليمية. ومع ذلك، فإنّ دعم هاتَين القوّتَين لإيران قد يبقى في إطار سياسي واقتصادي (لا سيما مشروع شمال-جنوب) أو تقني، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلّا إذا مُسّت مصالحهما الحيوية بشكل حاد.
ثامناً: كوريا الشمالية ومعادلة الردع النووي
تراقب كوريا الشمالية أي تصعيد عسكري كبير بعين استراتيجية، إذ ترى في الصراعات الكبرى مؤشراً إلى طبيعة التوازنات الدولية. وقد يسعى زعيمها كيم جونغ أون إلى استثمار أي انشغال أميركي في الشرق الأوسط لتعزيز أوراقه التفاوضية أو اختبار قدراته الصاروخية.
غير أن تحوّل بيونغ يانغ إلى طرف مباشر في نزاع إقليمي يبقى احتمالاً ضعيفاً، لكنّه يندرج ضمن حسابات الردع المتبادلة في النظام الدولي الأوسع.
قراءة ختامية
الولايات المتحدة قادرة عسكرياً على شن حرب واسعة، لكنّ السؤال الحقيقي ليس في القدرة بل في الكلفة والنتائج. حرب مفتوحة مع إيران قد تتحوّل إلى استنزاف طويل، وتنعكس سلباً على الداخل الأميركي سياسياً واقتصادياً، فضلاً عن تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي.
لذلك، يبدو أنّ السيناريوهات المتوقعة تبقى تحت سقف الحرب المفتوحة، تسوية تفاوضية أو العقوبات، الحرب السيبرانية، الضغوط الديبلوماسية أو في أسوأ الأحوال ضربة محدودة ومدروسة جداً، تظل أكثر ترجيحاً من الإنزلاق إلى حرب شاملة تُغيِّر وجه المنطقة وربما العالم. في النهاية، تبقى المنطقة على حافة توازنات دقيقة وخطيرة ترسم معالم العالم الجديد.