نجحت طرابلس الميناء ليلة الجمعة، وأضحت نموذجاً واعداً. فخلال فعاليات MINOT (مينو)، لم تكن الأمسية الرمضانية عابرة، بل كانت تدخّلاً اقتصادياً استباقياً مباشراً، في مدينة تعبت من الركود. ما فعلته بلدية الميناء هو إعادة تشغيل أسواق المدينة ضمن أجواء شهر رمضان المبارك.
لكن ماذا يعني ذلك بلغة واضحة؟
حين تتحرّك الأسواق تتفعّل الدورة الاقتصادية؛ بائع يبيع، حرفي يعرّف عن منتجه، مقهى يزدحم، توصيلات ترتفع، تكسيات تعمل، وخدمات تنظيم وأمن ونظافة تتقاضى. هذا هو الاقتصاد عندما ينزل من النظريات إلى الأرصفة. وهذا ما أتقنته بلدية البترون جيداً، عندما قدّمت نموذجاً ناجحاً، كرّست من خلاله نفسها كعاصمة الميلاد محلياً وعالمياً.
البترون التي تربّعت على عرش المواسم، خبرت جيداً أنّ العملة الأولى لأي اقتصاد محلي هي تدفّق الناس لا الزينة. فحين تمتلئ الممرات والشوارع يبدأ ما نسمّيه في الاقتصاد بالإنفاق السريع، وهو إنفاق لا يحتاج إلى قرار استثماري كبير ولا إلى قروض، بل إلى لحظة ثقة.
وما حدث في (مينو) لم يكن مجرّد بيع سلع، بل صناعة ثقة جديدة بمدينة الميناء، وهذه الثقة عسى أن تُترجَم لاحقاً إلى زيارات متكرّرة، فسمعة، فعادة إنفاق. وأبناء طرابلس على الأرجح سيعرفون كيف يقرأون الفعل الاقتصادي عندما يرونه، لأنّ ما قُدِّم لهم على مستوى تشغيل الاقتصاد المحلي نادراً ما قُدِّم بهذا الشكل.
هنا تتجلّى براعة البترون، فقد سخّرت المواسم لتراكم نقاطاً في الاقتصاد. فما يلفت في تجربتها هذه هو كسر الخطوط النفسية والسياسية التي حاصرت المدن تقليدياً. فكثيرون في لبنان يتعاملون مع المناطق كأنّها جزر مغلقة، والبترون بالتحديد لا تفهم هذه اللغة. أمّا ليلة الجمعة فكانت انطلاقة فكرة نقل نموذج تنظيم المواسم من مكان إلى آخر، والميناء التقطت الفكرة وطبّقتها بذكاء. هنا نتحدّث عن نقل تقنية تشغيل وليس نقل احتفال. وهذا بحدّ ذاته براعة في الاقتصاد، إذ صنعت لنفسها موطئ قدم، لأنّها بهذه الطريقة دخلت مساحة لم تعتد المدن دخولها بهذا الشكل التشغيلي. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين مَن يحوّل الموسم إلى دورة اقتصادية، ومَن يكتفي بردّ الفعل وبالانتظار وتسجيل المواقف.
وتجربة البترون مثال واضح على اقتصاد المواسم. عندما تتحوّل مدينة إلى مسرح منتظم للأحداث، يصبح الربح موزَّعاً على المدينة كلها، من البلدية إلى المتاجر والإيجارات والخدمات واليد العاملة، وتربح المدينة قيمة إضافية اسمها العلامة. والعلامة تعني أنّ المكان يصبح قابلاً للتسويق والبيع، ويصبح وجهة قابلة للتكرار عاماً بعد عام ومرّة بعد مرة، لأنّ الناس تعود إليه كوجهة لا كصدفة. وما يحصل في طرابلس اليوم هو محاولة لاستنساخ منطق العلامة الرمضانية على مثال العلامة الميلادية في البترون، أي صناعة موسم رمضاني اقتصادي، تُخرج الشهر الفضيل من الاستهلاك الصامت داخل البيوت إلى حركة في الشارع، ودورة إنفاق تعود بالفائدة على الناس.
وخلاصة المقارنة بسيطة؛ تسجيل ما تحقق على الأرض لا يكتمل إلّا حين يُترجَم إلى نتائج تشغيلية، يشعر بها الناس وتتحرّك معها الاقتصادات المحلية. في طرابلس، كما في النموذج البتروني، كل فعالية ناجحة تعني فرصاً إضافية لعشرات العائلات، وتؤكّد أنّ الاقتصاد لا ينتظر الموازنات ولا الخطب ليتحرّك. السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا النجاح، وفي بلد يلوّن فيه الانقسام السياسي كل مبادرة قبل تقييمها اقتصادياً، هو: لماذا لا تتحوّل السياسة في لبنان إلى سباق على النتائج بدل سباق على تسجيل النقاط؟ إذا كانت طرابلس تستطيع أن تنهض بموسم، فلماذا يكتفي أهل القرار في لبنان بالاعتياد على الركود؟ وإذا كانت ليلة واحدة قادرة أن تحرّك هذا كله، فطرابلس إذن حان الوقت أن نزورها، وأن نشتري من أسواقها، وأن نترك إنفاقنا فيها يقول الباقي. لأنّ المشاركة هنا ليست مجاملة، بل فعل اقتصادي وجزء من تشغيل المدينة. فإنّ الاقتصاد لا يرحم المتفرّجين، ولا يكافئ من يكتفي بالكلام.