«الحزب» وعدَ الدولة.. بماذا؟
طوني عيسى
Saturday, 21-Feb-2026 07:12

يسرّب الإسرائيليون، منذ أيام، «معلومات» مفادها أنّ إيران تضغط على «حزب الله» ليبادر إلى فتح جبهة في الجنوب، إذا اندلعت الحرب بينها وبين الولايات المتحدة. وتستغل إسرائيل هذه «المعلومات» لتهدّد بإطلاق سيناريوهات عدة للردّ على «الحزب»، والقضاء تماماً على قدراته. وأسوأ السيناريوهات يقضي بشن الضربات عليه وإنهاكه، استباقياً، أي قبل أن تحين لحظة الحرب مع إيران. والذريعة هي أنّ هذه الضربة الاستباقية تضمن تحييد «الخطر الشمالي» تماماً ونهائياً. وهذا الأمر يتنبّه إليه «الحزب» ويسعى إلى تجنّبه.

​فيما تتصاعد نذر المواجهة بين واشنطن وطهران، يسود ترقب ثقيل في بيروت. ولكن المؤكّد هو أنّ «حزب الله» لا يستغل هذا الوقت المستقطع للدخول في حرب، بل على العكس هو في وضعية الترقب وحماية الحدّ الأدنى من الحضور. وهذا هو الدرس الذي تعلّمه في العامين الأخيرين.

​العنصر الأكثر تأثيراً في حسابات «الحزب» اليوم هو المصير الذي آلت إليه الحرب التي اندلعت في قطاع غزة، وكانت السبب المباشر في تورطه في الحرب التي دمّرته ومعه الجنوب وكثير من المناطق. فما فعلته «حماس» منذ عملية «طوفان الأقصى»، وما شهده القطاع من كوارث مريعة، انتهى إلى واقع سياسي مناقض تماماً لما نادت به فعلاً خلال الحرب.

 

فغزة باتت اليوم تحت إدارة «مجلس سلام عالمي» بقيادة دونالد ترامب، وتمّ تجريد «حماس» وكل الفصائل الفلسطينية من أي قدرة على الحكم أو التأثير الميداني هناك. ويتحرك المجلس بموافقة دولية وعربية، تتجلّى بتمويل إعادة الإعمار بمليارات الدولارات. وهذا الواقع سيجعل أي عمل عسكري تفكر «حماس» في تنفيذه شبه مستحيل، وفي أفضل الحالات مغامرة جديدة مأسوية النتائج.

يدرك «الحزب» أنّ تكرار هذا السيناريو في لبنان يعني نهايته كقوة عسكرية وسياسية واجتماعية، وسقوط البلد تحت نفوذ أميركي أكبر، عدا عن توسيع رقعة السيطرة الميدانية الإسرائيلية إلى حدود غير معروفة. ولذلك هو يفضّل «الانكفاء الاستراتيجي» حالياً، والجلوس في مكان يسمح له بمراقبة التحولات بأقل خسائر ممكنة، انتظاراً لتبلور الصورة الكبرى في الإقليم. وتقول مصادر سياسية مواكبة، إنّ «الحزب» وعد الدولة اللبنانية بأن يلتزم الضوابط تماماً في هذه المرحلة، لكنه سيتأنّى في تلبية مطالب التخلّي عن السلاح في شمال الليطاني، ليكون له الوقت الكافي لمواكبة التطورات.

 

الواضح أنّ الدولة قرّرت ملاقاة «الحزب» إلى منتصف الطريق. ولذلك، حدّدت مهلة «مطّاطة»، تراوح ما بين أربعة أشهر وثمانية، لاستكمال انتشار الجيش وتجهيز عديده بين النهرين الليطاني والأولي. وهذا التأخير المدروس يمنح «الحزب» فرصة التحول سياسياً وعسكرياً وتنظيمياً. وأما انخراطه الآن في الحرب فسيعرّضه بالتأكيد لصدمة قاتلة.

إذا وقعت الضربة الأميركية لإيران في الأسبوعين المقبلين، كما يلوّح دونالد ترامب، فإنّها ستؤدي حتماً إلى خلط أوراق شامل في المنطقة. والاقتناع السائد في بيروت هو: لماذا يتكبّد «الحزب» عناء المواجهة الداخلية أو الانتحار العسكري، فيما يتوقع حدوث انقلاب في توازنات الشرق الأوسط بأكملها نتيجة الحرب؟

 

​لقد أظهرت إطلالة ترامب من خلال «مجلس السلام العالمي» أنّ عصر «الحروب بالوكالة»، التي تنتهي بتسويات رمادية، قد انتهى. والمقاربة الجديدة تعتمد نوعاً من الحسم السياسي والعسكري المختلط، ولكنه حسم جذري. وباتت عناصر الاقتصاد والمال والإعمار مشروطة بالولاء الكامل للمشروع الدولي.

 

هذا يعني أنّ عملية الخنق الأميركية يمكن أن تشتد بشكل غير مسبوق على إيران و»الحزب» ولبنان. وهذا ما لا تستطيع بيئة «الحزب» الحاضنة أن تتحمّله. كما أنّ نتائج الصدام الأميركي ـ الإيراني قد تؤدي إلى فرض واقع داخلي جديد يتحكّم بكل الاستحقاقات، بما في ذلك الانتخابات النيابية فيطيّرها، كانعكاس لتبدّل موازين القوى الكبرى.

 

لذلك، قد يغلّب «حزب الله» خيار «البقاء» على خيار الالتزام بمحور إيران. وفي أي حال، هو سيتجنّب أن يتعرّض في لبنان لما تعرّضت له «حماس» في غزة. ولذلك، سيرجح خيار الاختباء والاحتماء مرحلياً تحت سقف الدولة اللبنانية، انتظاراً للآتي، لأنّ هذا الخيار يبقيه على قيد الحياة، بشكل أو بآخر، ويجنّبه الإقصاء الكامل عن الخريطة.

الأكثر قراءة