سلاح ما بين النهرَين: «يللي سلاحو ظاهر ما بدّو لا حصر ولا تفتيش»؟
جورج شاهين
Saturday, 21-Feb-2026 07:08

على رغم من المخاوف المسبقة لجهة التعاطي مع المرحلة الثانية من عملية «حصر السلاح» ما بين نهرَي الليطاني والأولي، فقد عبرتها الحكومة في أجواء هادئة. وما كان لافتاً، أنّ قائد الجيش حدَّد المهلة «المحظورة» لإنجازها ما بين 4 و8 أشهر، من دون ما يعوقها أحد، في ظلّ رفض «حزب الله» التعاطي مع «الخطيئة» المرتكبة. وهو أمر قاد إلى قراءة بعيون أخرى، تحاكي ما هو متوقع في منطقة هي الأخطر على مستوى «انتشار سلاحه»، على خلفية القول «يللي سلاحو ظاهر ما بدّو تفتيش». وعليه، ما هي الدوافع إلى هذه المعادلة؟

تعتقد مراجع سياسية وديبلوماسية وعسكرية، أنّ ما انتهت إليه الجلسة الحكومية المخصَّصة للبحث في تقرير قائد الجيش العماد رودولف هيكل بشأن تحديد طريقة التعاطي مع المرحلة الثانية من عملية «حصر السلاح» ما بين نهرَي الليطاني والأولي، تستحق كثيراً من القراءات التي لم يتناولها أحد حتى اليوم. وخصوصاً على مستوى المواقع العسكرية المكشوفة للحزب، التي لا يمكن مقارنتها مع المواقع والأنفاق السرّية التي فكّكها الجيش، بإشراف «الميكانيزم» بالتعاون والتنسيق مع قوات «اليونيفيل»، في جنوب الليطاني، ولا يمكن تشبيهها بتلك المنتشرة في المنطقة التي يستعد فيها الجيش لحصر السلاح وحيداً لأسباب مختلفة لا يختلف اثنان في توصيفها.

ومردّ هذه النظرية يعود إلى أنّ على الجيش التعاطى مع المراكز الحزبية المسلحة في منطقة ما بين النهرَين كقوّة عسكرية لا شريك له في المهمّة. فالجميع يدرك أنّه وإن كانت الرعاية التي توفّرها لجنة «الميكانيزم» ما زالت متوافرة حتى نهاية المطاف، إن بقيت في شكلها القائم اليوم ولم تُمَسّ تركيبتها. ذلك أنّه لا وجود لأي معاون له شبيه بتلك الشراكة التي وفّرتها قوات «اليونيفيل» في جنوب النهر امتداداً إلى حيث يمكن انتشاره في اتجاه الحدود الجنوبية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الحدودية، بعدما تجاوز النقاط الخمس إلى عدد أكبر منها، لمجرّد بناء مراكز حماية له في عمق الأراضي اللبنانية.

على هذه الخلفيات، أجمعت المراجع على الإشادة بتقرير قائد الجيش الذي نجح في تحديد مهلة مهما كانت قصيرة أو طويلة - بحدَّيها الأدنى بالأشهر الأربعة وأقصاها الأشهر الثمانية - لإنهاء المهمّة في المنطقة الثانية المحدَّدة منذ البداية عند اتخاذ القرار بـ«حصر السلاح» في كل لبنان في الجلسات الوزارية الممتدة من 5 و7 آب وحتى 7 أيلول من دون أي تغيير، على رغم ممّا أشيع عن رغبة إسرائيلية عبّر عنها وفدها العسكري المفاوض ضمن لجنة «الميكانيزم»، بالانتقال من جنوب الليطاني إلى البقاعَين الغربي والأوسط قبل منطقة ما بين النهرَين، وهو ما لم يحصل، بعدما أصرّ الوفد اللبناني المفاوض على خطته الموضوعة لهذه الغاية بالتزامن مع ضبطه للحدود البرّية والبحرية والجوّية، تزامناً مع «احتواء» السلاح على الأراضي اللبنانية كافة وإلغاء جميع التراخيص التي أُحصِيَت ببضعة آلاف، وكانت ممنوحة لتسهيل الإنتقال بالسلاح والتجوّل به على كل الأراضي اللبنانية.

وأضافت هذه المراجع، أنّ قائد الجيش كان صريحاً مع الوزراء، عندما لمَّح إلى أنّ الخطة التي كُلِّف بها الجيش «متكاملة» ولا يمكن إدخال أي تعديلات عليها سوى تلك التي تفرضها الظروف العسكرية والسياسية الناجمة عن استمرار العدوان الإسرائيلي الذي حال دون اكتمال ما هو مطلوب للإنتشار حتى آخر شبر من الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها منذ العام 1923 مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنّ كل ذلك لا يمنع من العمل شمال الليطاني وهو انطلق فعلاً. في إشارة واضحة إلى العمل القائم منذ بدء الخطة من أجل «احتواء السلاح ومنع تحريكه ونقله أو استخدامه ومصادرة ما يقع بين يدَيه في أي منطقة لبنانية من دون أن تكون محصورة بالمناطق المحدَّدة». كما بالنسبة إلى «منع أي مظاهر مسلّحة في أي منطقة»، وهنا برزت إشارة إلى حادثة الهرمل، عندما صادرت وحدات الجيش سيارة تحمل رشاشاً ثقيلاً من نوع «دوشكا» وانتهت المواجهة يومها بمصادرتها.

وبعيداً من هذه الوقائع التي لا يرقى إليها أي شك، توقفت المراجع المعنية أمام ما تشهده منطقة ما بين النهرَين من مظاهر التسلّح غير الشرعي، فليس خافياً على المسؤولين ومعهم أهالي المنطقة والعالم، أنّ للحزب مواقع مسلحة في مجموعة من الوديان والقرى التي ما زال ممنوعاً على أهاليها الوصول إلى أراضيهم الزراعية، حيث تنتشر هذه المنشآت المكشوفة بما فيها «مطار للمسيّرات» ومراكز تدريب ومخازن أسلحة وأنفاق معلومة من الجميع في شكل دقيق لا يحتمل أي جدل. وهم لم ينسوا بعد عندما تجاوز النقيب الطيار سامر حنا منذ سنوات عدة أجواء إحدى المناطق «المحظورة على الجيش»، فاغتيل في طائرته من دون أن يرف لأحد أي جفن.

ولهذه الأسباب وأخرى لا يمكن الإشارة إليها كاملة، يمكن القول إنّ انتشار هذه المواقع في أعالي قرى جزين وإقليم التفاح بطريقة علنية يمكن أن يؤسس لمواجهة حتمية بين الجيش والمسلّحين إن اقترب منهم لتفكيك منشآتهم، وهو أمر لا يحول دونه سوى وجود قرار صريح وواضح من قيادة الحزب بتسليمها إلى الجيش وإنهاء المظاهر المسلحة التي استدرجت الغارات الإسرائيلية الأخيرة والمكثفة لتلك المنطقة ما بين جبال طورا والريحان وكفرحونا وكفرحتى وغيرها من المزارع، من دون أن تكون هناك أي ردة فعل من قبل «الميكانيزم» ورعاة تفاهم 27 ت2 2024. وكلّها وقائع تقود إلى النظرية اللبنانية التي تقول «يللي سلاحو ظاهر ما بّدو لا حصر ولا احتواء ولا تفتيش».

الأكثر قراءة