الإنتخابات بين الاستحقاق الدستوري وتعطيل المراسيم
عبدالله ناصرالدين
Friday, 20-Feb-2026 07:05

في خضم الجدل السياسي والقانوني الدائر حول الإنتخابات النيابية المقبلة، أثار تصريح رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري بشأن وجود جهة تعمل على تعطيل الاستحقاق المقرَّر في 10 أيار، نقاشاً واسعاً حول مبدأ المشروعية وحدود السلطة التنظيمية، وما إذا كان استكمال المراسيم التطبيقية شرطاً لازماً قبل المضي في التنفيذ. هذا النقاش يُعيد إلى الواجهة أهمّية احترام النصوص القانونية النافذة، وفي مقدمتها قانون الانتخاب رقم 44 /2017، الذي يشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم العملية الانتخابية في الداخل والخارج.

أول ما يفرض نفسه في هذا السياق، هو مبدأ دورية الانتخابات، المستمد من الدستور اللبناني، والذي يُعدّ ضمانة جوهرية لتداول السلطة. فإجراء الإنتخابات في موعدها ليس خياراً سياسياً بل التزام دستوري لا يمكن تعطيله إلّا بقانون صريح أو بظروف استثنائية ضيّقة التفسير. وأي محاولة لتأجيل الاستحقاق عبر تعطيل المراسيم أو إثارة إشكالات تفسيرية، تُعرِّض مبدأ سيادة القانون للإهتزاز وتفتح الباب أمام أزمة شرعية.

 

أمّا في ما يتعلّق باقتراع اللبنانيِّين غير المقيمين، فقد نصّ القانون على حقهم بالمشاركة وفق آلية محدَّدة، لكنّ هذا الحق يبقى رهناً باستكمال الإطار التنظيمي. فمرسوم دعوة الهيئات الناخبة في الخارج، وإن صدر، لا يكفي وحده لضمان وضوح القاعدة القانونية، إذ لا بُدّ من استصدار المراسيم المكمّلة التي تُحدِّد توزيع المقاعد وآليات التنفيذ التفصيلية. من دون ذلك، تصبح العملية عرضة للغموض وعدم اليقين، ما يُهدِّد سلامة الاستحقاق.

 

وتبرز هنا مسألة توزيع المقاعد المخصَّصة للمغتربين على القارات والطوائف، وهي خطوة لا يمكن أن تُترَك لاجتهاد إداري أو تفسير لاحق، بل يجب أن تصدر بمرسوم واضح عن مجلس الوزراء. فمبدأ الشرعية يفرض أن تكون القواعد محدَّدة ومعلومة مسبقاً، وأي نقص في هذا الجانب يفتح الباب أمام الطعن القضائي ويضع العملية الانتخابية في مهبّ المجهول.

 

إلى جانب ذلك، فإنّ الإستشارات الصادرة عن هيئة التشريع والاستشارات، مهما كان مضمونها، تبقى غير ملزمة ولا تُعدِّل قانوناً نافذاً. فالاجتهاد الإداري لا يعلو على النص، ولا يملك أن يعلّق نفاذه. وبالتالي، فإنّ أي مرسوم يصدر من دون استكمال الإطار التطبيقي الكامل قد يكون عرضة للطعن أمام مجلس شورى الدولة، لمخالفته مبدأ المشروعية وتجاوزه حدود السلطة التنظيمية.

 

خلاصة القول، إنّ حماية الانتخابات من التعطيل تستوجب مسارَين متلازمَين: أولاً، احترام القانون النافذ نصاً وروحاً، وثانياً، استكمال المراسيم التطبيقية من دون انتقائية أو تجزئة. فالانتخابات ليست مجرّد إجراء إداري، بل استحقاق دستوري متكامل الشروط، وأي خلل في بنيانه التنظيمي يفتح الباب أمام نزاعات قضائية قد تُفضي عملياً إلى تعطيل الاستحقاق بدل تحصينه. من هنا، فإنّ المبادرة إلى استكمال المراسيم، وفي مقدّمتها مرسوم توزيع المقاعد للمغتربين، تشكّل الضمانة القانونية لتجنيب العملية أي طعن أو إبطال، وترسيخ الثقة بمسار ديموقراطي سليم.

 

بهذا المعنى، يصبح النقاش الدائر اليوم أكثر من مجرّد جدل قانوني، إنّه اختبار لمدى التزام الدولة بمبدأ الشرعية، وقدرتها على صَون الاستحقاق الانتخابي كركيزة أساسية في النظام الديموقراطي اللبناني.

الأكثر قراءة