راهناً، يصعب التنبّؤ بتقدُّم ملموس في الأزمة الأوكرانية، إذ تظلّ العملية السياسية غارقة في الضبابية. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتناقض باستمرار، واللقاءات رفيعة المستوى لا تحقق نتائج حاسمة، ممّا يُثير القلق بين المحلّلين. في هذا السياق، أصبح «عامل الصفقة» محوراً رئيسياً للمفاوضات الجارية.
إنّ إحدى الصفقات البارزة التي تُناقَش حالياً تتعلّق بمصير الأصول النفطية لشركة «لوك أويل» الروسية، التي أصبحت مؤشراً دقيقاً للتقدُّم في المفاوضات المتعلقة بالأزمة الأوكرانية، كما أنّ لها علاقة مباشرة بالصراع الأميركي- الإيراني في الخليج العربي.
تعرّضت «لوك أويل» إلى عقوبات قاسية، لكنّ الوضع معها يختلف بسبب أصولها الكبيرة خارج روسيا، التي تخضع للتسويات داخل الولاية القضائية الأميركية. الأصول التي يتعيّن على «لوك أويل» بُيعها تُمثل تحدّيات كبيرة، أولها تحديد سعر عادل يجب أن يكون معقولاً، لأنّ بيع الأصول بسعر زهيد قد يُعتبَر سرقة ويضّر بأي صفقات مستقبلية.
التحدّي الثاني هو العثور على المشتري المناسب، إذ تُعتبَر شركة «شيفرون» الأميركية من أبرز المنافسين للشراء. أمّا التحدي الثالث، فيتمثل في المدفوعات، إذ يمكن للولايات المتحدة تجميد المدفوعات بالدولار، ممّا يعني أنّ «لوك أويل» قد تضطر لبيع أصولها من دون الحصول على العائدات.
إذا فشلت الصفقة، قد تضطر «لوك أويل» إلى إيقاف الإنتاج، ممّا سيدفع الحكومات التي تقع فيها هذه الأصول إلى اتخاذ إجراءات قد تشمل التأميم أو رفع قضايا قضائية مع تعقيدات بيروقراطية.
في ظلّ التصعيد العسكري وزيادة العقوبات، تستمر وزارة الخزانة الأميركية في تمديد الترخيص الذي يسمح لـ»لوك أويل» بالتفاوض على بيع أصولها الدولية. آخر تمديد لهذا الترخيص يستمر حتى 28 شباط 2026، ممّا يُشير إلى قضايا عالقة في التسوية الأوكرانية.
الاحتياجات الأميركية والمصالح الروسية
تحتاج الولايات المتحدة، وتحديداً شركاتها مثل «شيفرون»، إلى هذه الأصول النفطية. على سبيل المثال، تشارك «شيفرون» في مشاريع كازاخية تعتمد على خطوط الأنابيب الروسية، مثل «كونسورتيوم» بحر قزوين الذي يوفّر الوصول إلى ميناء نوفوروسيسك. من جهة أخرى، تسعى موسكو إلى تجنّب مصادرة أصولها تحت مسمّى البيع، وتريد تحقيق سعر «عادل» مع ضمان سداد المدفوعات.
إنّ ترامب يسعى لإثبات أنّ سياسته الصارمة في فرض العقوبات تحقق نتائج لصالح الشركات الأميركية، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على ماء وجهها وتقليل الأضرار. إذا فشلت الصفقة وتحوّلت إلى مصادرة أحادية الجانب، سيكون ذلك نهاية أي ثقة ضرورية لإبرام اتفاقات أوسع بين البلدَين.
وتظلّ المفاوضات صعبة، إذ تُعتبَر منطقة البحر الأسود بالنسبة إلى موسكو مجالاً حيوياً لمصالحها، كما أنّ منطقة الكاريبي هي مجال للمصالح الأميركية. روسيا تملك رداً قوياً على ضغوط العقوبات من خلال السيطرة على خط أنابيب بحر قزوين (CPC) الذي ينتهي في ميناء نوفوروسيسك. هذا الخط يمرّ عبره النفط الكازاخي، وتساهم شركات أميركية مثل «شيفرون» و»إكسون موبيل» في إنتاج ما بين 30 إلى 40% من هذا النفط.
من خلال ضمان استمرارية تشغيل المحطة، تُعتبَر روسيا الضامن الفعلي لدخل الشركات الأميركية. وهجمات الطائرات المسيّرة على محطة CPC وناقلات النفط قرب نوفوروسيسك، تكشف عن هشاشة هذه السلسلة في إمدادات النفط. وإذا توقف تشغيل المحطة لمدة شهر، فقد يتكبّد المستثمرون الأميركيون خسائر ضخمة.
تجديد الترخيص والتوازن الهش
إنّ تجديد الترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ليس مجرّد إجراء بيروقراطي، بل يمثل نوعاً من الهدنة في الحرب الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة. هذا التمديد يُظهر توازناً هشاً بين الطرفَين، إذ يستحيل تحقيق نصر كامل لأي منهما من دون تكبُّد الطرف الآخر خسائر فادحة.
خسائر «لوك أويل» وغيرها من الأطراف في هذه العملية كبيرة، لكنّ قضية الأصول النفطية المحمية بالترخيص أصبحت اختباراً حاسماً. إذا تمّت الصفقة، حتى وإن كانت بسعر منخفض، مع ضمان سداد المدفوعات، سيكون ذلك مؤشراً إلى استعداد الطرفَين للتفاوض. أمّا إذا فشلت المفاوضات أو تمت المصادرة، فهذا سيكون نهاية لأي عملية سلام بين البلدَين.
على رغم من صعوبة التنبّؤ بتقدُّم الأزمة الأوكرانية، إلّا أنّ هناك مؤشرات إلى بعض التقدُّم في قضية «لوك أويل». بعد فرض العقوبات في تشرين الأول 2022، مُدِّد الترخيص 3 مرّات لتسهيل الاتفاق على بيع الأصول، ممّا يعكس مرحلة مهمّة في عملية التسوية الأوكرانية. في النهاية، تمنح الولايات المتحدة وروسيا بعضهما مهلة، ما يُشير إلى إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام قريب.