الصوم الذي يجمعنا... والوطن الذي نحرسه معاً
الوزير القاضي محمد المرتضى
Thursday, 19-Feb-2026 06:36

يجيء رمضان هذا العام على وقع وجعٍ لم يخفت صداه بعد، لكنّه - كما في كلّ مرّة - يُطلّ حاملاً سرّ السكينة لمن أدرك أنّ الرحمة أقوى من القسوة، وأنّّ نور الرجاء لا تُطفئه العواصف مهما اشتدّت، وأنّ الإنسان حين يسمو بروحه، ويُمتّن الصلة بربّه، يصير أقدر على مواجهة القسوة من دون أن يفقد إنسانيته أو بوصلته الأخلاقية.

رمضان ليس زمناً للصوم عن الطعام فحسب، بل هو امتحان للمعنى: صوم القلب عن القسوة، وصوم الوعي عن اليأس، وعندنا في لبنان يقتضي أن يكون أيضاً صوم اللغة عن كلّ ما يجرح فكرة العيش الواحد. هو موسم مراجعة داخلية عميقة، نكتشف فيه أنّ القيم التي تحفظ المجتمعات ليست الشعارات، بل الرحمة المتبادلة، والتكافل الصامت، والإصرار على تحويل الألم إلى رجاء، والجراح إلى معنى، والمحنة إلى فرصة نهوض.

 

ويكتسب هذا العام بعداً مضاعف الدلالة، إذ يتزامن صوم المسلمين مع زمن الصوم لدى إخوتهم المسيحيّين، في مشهدٍ روحيّ يكاد يكون رسالة وطنية بحدّ ذاته: صومٌ متوازٍ لشعبٍ واحد في وطنٍ واحد، كأنّ اختلاف الطقوس يلتقي عند جوهرٍ واحد هو تطهير النفس واستعادة المعنى والرجاء. هنا يتجلّى العيش الواحد لا كشعارٍ يُقال، بل كخبرة حياة، كقناعة بأنّ هذا الوطن لا يقوم إلّا بتلاقي أبنائه حول القيم الجامعة، لا حول القواطع الفاصلة.

 

وفي الجنوب اللبناني، حيث لا يزال العدوان الإسرائيلي يثقل الأرض والناس باعتداءاته وإجرامه، يكتب أهلنا هناك يومياً نصّ الكرامة بصبرٍ يكاد يُشبه الصلاة. لا ضجيج في صمودهم، بل ثباتٌ يُعرف معناه، وإيمانٌ يترجم نفسه تمسّكاً بالأرض وبالحقّ وبفكرة الوطن الذي لا يُختصر بمصالح عابرة. لهم تحيّة تقدير وإكبار، لأنّ صمودهم ليس دفاعاً عن جغرافيا فحسب، بل عن معنى لبنان نفسه: وطن الإرادة الحرّة والكرامة التي لا تُساوَم.

 

ولعلّ أبلغ ما يعلّمنا إيّاه هذا الزمن أنّ الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بتضامن ناسها، وبقدرتهم على تحويل القلق المشترك إلى قوة أخلاقية جامعة. فحين يتقاسم الناس الخبز كما يتقاسمون الخوف والرجاء، يصبح الوطن أكثر صلابة في وجه العواصف، وأكثر استعداداً لعبور المحن نحو أفقٍ أعدل وأهدأ.

 

إنّ استعادة دفء القلوب في هذا الشهر الفضيل ليست ترفاً روحياً، إنّما واجبٌ ايماني وضرورة وطنية وأخلاقية. فالمجتمع الذي يفقد رحمته يفقد تدريجياً مناعته، أمّا المجتمع الذي يحفظ تضامنه، فإنّه يستطيع تحويل أقسى التحدّيات إلى لحظات وعي وصمودٍ ونهوض. ومن هنا، يصبح تزامن الصوم لدى المسلمين والمسيحيّين مناسبة مضاعفة لتجديد العهد مع قيم الرحمة، والتواضع، والمسؤولية المشتركة تجاه الوطن والإنسان.

 

شهرٌ مبارك عليكم وعلى أحبّتكم. نسأل الله أن يعيده بالسكينة والخير، وأن يجعل بركته ظلّاً وارفاً على بيوتكم، وأن يحفظ لبنان وأهله جميعاً، ولا سيّما الجنوب الصابر الذي ما بخل يوماً بكرامته ولا بتضحياته، وأن يكون هذا الزمن فسحة رجاء حقيقي، تمهّد لمرحلةٍ أقل وجعاً وأكثر عدلاً وطمأنينة.

الأكثر قراءة