أضواء على زيارة الحريري: «المستقبل» إلى الانتخابات؟
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Monday, 16-Feb-2026 06:54

دلّ المهرجان الحاشد الذي دعا إليه الرئيس سعد الحريري يوم السبت الماضي عند ضريح والده في وسط العاصمة، أنّ تيار «المستقبل» هو الأكثر حضوراً وتمثيلاً للسُنّة في لبنان، على رغم من انكفائه وتعليقه العمل السياسي بقرار شخصي من رئيسه، الذي امتنع أيضاً عن الترشح للانتخابات النيابية.

كان الرئيس الحريري يتحدّث بمرارة عندما قال: «هناك خناجر طعنت بي ليلاً نهاراً، لكنّ ظهري جبل»، وإنّ القريبين منه يروون كيف غُدِرَ به (بضمّ الغين) ممَّن كان يعتبرهم الأقرب والأحب إليه، ويُسمّون الأشياء بأسمائها، ويقولون إنّ ثمة مَن «طعن في الظهر والصدر في آنٍ، وهو يتظاهر بالوِدّ والإخلاص».
يشتمّ من كلمة الحريري عند ضريح والده رفيق الحريري، أنّ تيار «المستقبل» لن يُخلي الساحة هذه المرّة، وأنّ الذي راهن على قدرته على إملاء الفراغ الذي خلّفه امتناع التيار عن خوض الاستحقاق النيابي سابقاً، خاب رهانه، وأنّ النتائج الهزيلة التي حصدها قياساً بالدعم الذي حظي به، والظرف العام الذي خيّم على المشهد السياسي فترتذاك والإمكانات التي أُتيحت له، أكّدت أنّ البديل عن الحريري وتياره ليس متوافراً بعد، وثمة صعوبة، لئلّا نقول استحالة، في توافره قريباً. وبالتالي لا بُدّ من التعامل بواقعية مع هذه الحقائق التي أفرزتها الأرض. ويرى متابعون، أنّه إذا كانت الأحوال الراهنة لا تسمح للرئيس سعد الحريري حتى الساعة بالترشح شخصياً إلى النيابة، فإنّ المؤشرات والمعطيات تدل إلى أنّ تيار «المستقبل» ستكون له الكتلة النيابية الأكبر إذا ما أعطى رئيسه الضوء الأخضر لمشاركته ترشيحاً في هذا الاستحقاق. كما ستكون لأصوات محازبيه ومؤيّديه الكلمة الفصل في ترجيح كفة مرشحين يحظَون بدعمه في غالبية الدوائر والأقضية في لبنان. مع الإشارة إلى أنّ الرئيس سعد الحريري تلقّى نصائح وتمنّيات بالترشح من شخصيات بارزة ذات خبرة وحضور سياسيَّين، نظراً لما يعكسه ذلك من مزيد من التماسك لقاعدة تياره.
لم يَعُد سراً أنّ تيار «المستقبل» إذا قرّر خوض الإنتخابات، سيخلط الأوراق في المناطق ذات الأكثرية السنّية بدءاً من بيروت الثانية، إلى صيدا، إقليم الخروب، البقاع الشمالي، الأوسط والغربي، وصولاً إلى طرابلس، عكار، الضنية والمنية. وهذا ما يعرفه أخصامه ومنافسوه قبل مؤيّديه ومناصريه. لكنّ هذا التأييد الكبير الذي سيُعيد تيار «المستقبل» إلى صدارة المشهد السياسي، وتعبيد الطريق لعودة سعد الحريري إلى واجهة العمل الوطني بعد اجتياز «إمتحان» الشعبية من بوابة الانتخابات، والتأكّد من ثقة الناس به وبخط الإعتدال الذي ينتهج، لا يعني إلغاءً للآخرين، وتجاوزاً لأدوارهم. فأخصامه التقليديّون من أسامة سعد في صيدا، وحسن مراد في البقاع الغربي، وجمعية المشاريع في بيروت وطرابلس، والجماعة الإسلامية في بيروت وإقليم الخروب والشمال (على رغم من احتمال عدم ترشح أي منهم بعد العقوبات الأميركية)، سيكون لهم حضورهم في الوسط السنّي. كذلك الرئيس نجيب ميقاتي، الرئيس تمام سلام الذي عَهَد بالمشعل إلى نجله صائب، نائب طرابلس فيصل كرامي، ونائب عكار وليد البعريني، وبعض هؤلاء كسلام والبعريني قد ينسجون تحالفاً معه. على أنّ هذا الواقع يعني أنّ التعدُّدية والتنوّع السياسيَّين سيكونان قائمَين، ولن تكون هناك حصرية تمثيل لدى الطائفة السنّية.
أمّا بالنسبة إلى التحالفات التي سيعقدها تيار «المستقبل» على المستوى الوطني، فليس بالضرورة أن تكون هي ذاتها التي عقدها في استحقاقات سابقة، والأرجح ألّا تكون كذلك، لأنّ تجارب الماضي لم تكن مشجّعة، وأنّ حلفاء الأمس انفضّوا عن الحريري عندما واجهته استحقاقات صعبة أوقعته في معاناة لا يزال يكابدها حتى الساعة.
إنّ العلاقة الجيدة والمميّزة التي تربط الرئيس سعد الحريري بالرئيس نبيه بري، ومواقفه التي ابتعدت عن الإنفعال والشعبوية إبان «حرب الإسناد»، حملتا الشارع الشيعي على التفاعل الإيجابي مع عودته، وإظهار الرغبة في مشاركة تياره ترشيحاً واقتراعاً إذا ساعدت الظروف وسمحت بذلك. أمّا العلاقة مع الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط، فمميّزة ومتمايزة، ويغلب عليها الإيجابية. على أنّ العلاقة بين الحريري و»التيار الوطني الحر» لم تعُد بالمستوى عينه من الخصومة والحذر، كما كانت من قبل. وكذلك مع «تيار المردة». وهي جيدة إلى حدٍّ ما مع «حزب الكتائب» وعادية مع حزب «القوات اللبنانية»، لكنّها تفتقد إلى الدفء الذي كان معهوداً في المراحل السابقة. أمّا «حزب الله»، وعلى رغم من كل ما شاب علاقته بـ»تيار المستقبل»، فإنّه يسعى إلى مهادنته، ويقرّ بمرجعيّته داخل الطائفة السنّية، وتأثيره فيها، ولا يخفي رأيه في هذا المجال. وإنّ كلام الحريري عن أنّ الحزب هو جزء من الحياة السياسية اللبنانية، يدل إلى موضوعيّته، بصرف النظر عن رأيه فيه وشعور الأسى والمرارة الذي يستبدّ به.
رسالة الرئيس سعد الحريري السياسية كانت واضحة: لا مشروع لـ«تيار المستقبل» خارج الدولة اللبنانية، وإنّ ما يطالب به التيار هو استكمال تطبيق الطائف. وهو يلتقي ويتقاطع مع مَن يشاركه هذه القناعة.
وفي الخلاصة، لا يمكن للرئيس الحريري أن يستمر في تعليق النشاط السياسي للتيار العريض الذي أوجده والده، والتفريط بهذا الإرث والانسحاب من التعاطي في الشأنَين الوطني والعام من خلال الانخراط في العمل السياسي واستعادة موقعه في السلطتَين التشريعية والإجرائية، وإلّا فإنّه يكون قد اختار الابتعاد بملء إرادته، والابتعاد هذه المرّة سيكون ذا كلفة عالية على مستقبله السياسي، ويصبح أمام خطر عدم قدرته على الإمساك بمفاصل اللعبة على الصعيدَين اللبناني والسنّي، والمشاركة الندّية في القرار كما كانت الحال قبل قراره تعليق العمل السياسي. وبالتالي، فإنّ عودته يمكن أن تكون تأسيسية لجهة تشكيل صورة جديدة للحياة السياسية في المقبل من الأيام.

الأكثر قراءة