هل يمكن اعتبار مفاوضات أبوظبي نقطة تحوُّل في عملية التبادل الإنساني بين روسيا وأوكرانيا؟ إنّه سؤال يطرح نفسه في ظل استمرار الحرب الهمجية بين الطرفَين، خصوصاً في ظل الهجمات المستمرة التي تتعرّض لها أوكرانيا من قِبل روسيا. ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين في تقييم هذه المحادثات باعتبارها مفاوضات بنّاءة قد تفضي إلى حلول شاملة ودائمة للنزاع القائم بين الطرفَين.
لا شك أنّ محادثات أبوظبي كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، فتبادلت روسيا وأوكرانيا الأسرى لأول مرّة منذ 5 أشهر، وهو تطوُّر إيجابي في إطار بناء الثقة بين الطرفَين. وأكّد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيفن ويتكوف، أنّ هذه النتيجة الملموسة تُظهر أنّ الجهود الديبلوماسية يمكن أن تؤتي ثمارها، لكن لا يجب أن يُحمَّل هذا الاتفاق دلالات سياسية أوسع على أنّه مفاوضات بنّاءة، تفضي إلى إنهاء النزاع أو الاتفاق على قضايا أساسية. لكنّ الطرفَين لا يزالان مُصرَّين على تحقيق حوافز من دون الوصول إلى تفاهمات ملموسة، ممّا يُصعِّب التفاوض، على رغم من أنّ خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة.
هل حققت المفاوضات تقدّماً؟
على رغم من أنّ المحادثات انتهت بتبادل الأسرى، إلّا أنّ هناك فجوة هائلة بين النتائج والمشاكل الأساسية التي لا تزال من دون حل، إذ إنّ القضية الأكثر تعقيداً تظلّ قضية مُلكية الأراضي، وخصوصاً في منطقة دونباس، حيث ترفض أوكرانيا التخلّي عن المناطق التي ما زالت تحت سيطرتها، مثل سلوفيانسك وكراماتورسك. علاوةً على ذلك، فإنّ مسألة وقف إطلاق النار أو حتى الهدنة لم تُحل بعد، على رغم من أنّها كانت محل نقاش.
التحفّظات والضغوط السياسية
من المهم أن نلاحظ أنّ هناك العديد من التحفّظات السياسية في هذه المفاوضات، خصوصاً من الجانب الأوكراني. فقد صرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أنّه قرّر تعديل عمل الفريق الأوكراني في المفاوضات بعد الضربات الروسية الأخيرة، ممّا يوضح أنّه لا يوجد اتفاق حقيقي بعد بين الطرفَين حول استراتيجية السلام.
كما أشار ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، إلى أنّ المفاوضات تواجه صعوبات شديدة بسبب القضايا الحساسة، ممّا يُظهر أنّ الجهود المبذولة حتى الآن لا تكفي للتوصّل إلى حل دائم للنزاع. وفي هذا السياق، كان إعلان ترامب أنّه قريب من إنهاء النزاع، يفتقر إلى أي ضمانات حقيقية لتحقيق اتفاق شامل.
الأبعاد الإنسانية والإقتصادية
على رغم من محدودية التقدُّم في القضايا السياسية، يظلّ التبادل الإنساني خطوة مهمّة نحو بناء الثقة بين الطرفَين. من جانب آخر، المساعدات الاقتصادية التي تسعى أوكرانيا للحصول عليها لإعادة إعمار البلاد، هي قضية أخرى تثير اهتمام المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويُتوقّع جمع 800 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية الأوكرانية، إلّا أنّ تنفيذ هذه الخطة في ظل الضغط العسكري الروسي والتحدّيات السياسية قد يستغرق وقتاً طويلاً.
دور الوساطة الإماراتية
أدّى دور الوساطة الذي اضطلعت به الإمارات العربية المتحدة إلى توفير منصة حيادية للمحادثات بين الدول المعنية، لكن ما يُلاحَظ هو أنّ الوساطة الإماراتية قد نجحت في توفير إطار للتواصل، لكنّها لم تُفضِ إلى تقدُّم كبير في حل القضايا الأساسية التي تعترض السلام بين روسيا وأوكرانيا.
مفاوضات يجب مراقبتها
في النهاية، يمكن القول إنّ مفاوضات أبوظبي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنّها بعيدة من أن تكون مفاوضات بنّاءة، بمعنى أن تُؤدّي إلى حلول جذرية للنزاع القائم. فتبادل الأسرى هو إنجاز إنساني، لكنّه لا يعكس تقدُّماً كبيراً في حل القضايا السياسية الكبرى مثل السيطرة على الأراضي ووقف إطلاق النار.
ولا يزال طرفا النزاع غير قادرَين على التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة، لأنّ روسيا تريد الأرض من دون أي حوافز تُقدَّم لأوكرانيا، وأوكرانيا مرتبطة بدستور لا يسمح بالتخلّي عن الأرض إلّا بعد استفتاء شعبي، لكنّها تريد البديل: الضمانات والحوافز التي تُقنِع شعبها بأنّ الحرب كانت من أجل الدخول في الاتحاد الأوروبي.
إذا استمرّت المفاوضات في هذا السياق، فإنّ المجتمع الدولي يحتاج إلى أن يواصل الضغط على الأطراف المعنية لتوسيع نطاق المفاوضات بشكل يضمَن حلولاً شاملة، لا تقتصر فقط على الجانب الإنساني، بل تشمل أيضاً القضايا السياسية والاقتصادية التي تعكس إرادة شعوب المنطقة في تحقيق السلام الدائم.