في الفوز 3-0 على مايوركا السبت، كان 7 من التشكيلة الأساسية لبرشلونة من خرّيجي «لا ماسيا». لطالما قامت فلسفة برشلونة على ترقية أكبر عدد ممكن من لاعبي أكاديميّته الشهيرة، لكن في السنوات الأخيرة، بدا أنّ وتيرة صعود المواهب الشابة إلى الفريق الأول قد تسارعت. في ذلك الانتصار، ضمّ خط الدفاع أليخاندرو بالدي وباو كوبارسي وإريك غارسيا، وفي الوسط مارك كاسادو وداني أولمو وفيرمين لوبيز. وعلى الجناح الأيمن، سجّل لامين يامال (18 عاماً) هدفاً رائعاً، متجاوزاً حاجز 10 آلاف دقيقة بقميص برشلونة في مباراته الـ136 منذ ظهوره الأول في الـ15 من عمره في نيسان 2023.
كما شارك من مقاعد البدلاء خرّيجان آخران: مارك برنال وتومي ماركيز (19 عاماً) الذي خاض ظهوره الأول مع الفريق الأول، فبات ثامن ترقية تحت قيادة هانسي فليك منذ تعيينه في أيار 2024. وتُعدّ «لا ماسيا» ربما أنجح مصنع لاعبين في العالم، وبالتأكيد واحدة من الأكثر فاعلية. لكن لديها نقطة ضعف صارخة واحدة: نادراً ما تُخرِّج مهاجمين صريحين.
بويان كركيتش، الذي ظهر لأول مرّة مع برشلونة في سن الـ17 عام 2007، هو أحدث مهاجم صريح يُخرَّج من الأكاديمية ويحظى بقدر من الاستمرارية في الفريق الأول. لعب 163 مباراة وسجّل 41 هدفاً في 4 مواسم، لكنّ ثلثَي تلك المشاركات كانت كجناح. لم يُرسِّخ مكانه فعلياً في التشكيلة، وانتهى به الأمر بالانتقال إلى روما عام 2011.
حالة واعدة أخرى كانت مارك غيو. عندما ظهر لأول مرّة مع برشلونة بديلاً أمام أتلتيك بلباو، بعمر الـ17 في تشرين الأول 2023، احتاج إلى 23 ثانية فقط ليسجّل هدفه الأول. لكن في نهاية الموسم، انتقل إلى تشلسي بحثاً عن وقت لعب أكبر.
المهاجم البولندي روبرت ليفاندوفسكي سيبلغ الـ38 في آب، ويُرجَّح أنّه يخوض موسمه الأخير مع النادي، إذ ينتهي عقده في حزيران ولا وجود لمؤشرات إلى مفاوضات تجديد. أمّا فيران تورّيس (25 عاماً) الذي تدرّج في فالنسيا ثم مانشستر سيتي قبل انضمامه إلى برشلونة في الـ21، فلعب كمهاجم مركزي، لكنّ مركزه الطبيعي هو الجناح.
أفضل مهاجمي برشلونة في السنوات التي سبقت وصول ليفاندوفسكي في صيف 2022، يجمعهم قاسم مشترك: لويس سواريز، دافيد فيا، صامويل إيتو، باتريك كلويفرت، رونالدو وروماريو، لم يتكوّنوا في برشلونة. لماذا؟ هناك عاملان رئيسيان. أولاً، لننظر إلى «نموذج برشلونة» وما يفرضه من قيود.
مدرّبو الفئات العمرية في برشلونة يعلّمون اللاعبين أسلوباً محدَّداً جداً: أسلوباً يتطلّب تقنية عالية وإبداعاً ووعياً تمَوضعياً. وينطبق ذلك على حراس المرمى وقلب الدفاع كما ينطبق على المهاجمين.
انضمّ الكاميروني جان ماري دونغو إلى «لا ماسيا» في سن الـ13 عام 2008، لكنّه مُعتزِل منذ قرابة عامَين. كمهاجم صريح، خاض 3 مباريات مع الفريق الأول في موسم 2013-14 تحت قيادة جيراردو مارتينو. ويشرح: «في برشلونة، عليك أن تجيد الربط بشكل كبير. حتى حارس المرمى يجب أن يكون جيداً بقدمَيه، فتخيّل ما هو متوقع من المهاجمين. الحصص التدريبية تُقام دائماً في مساحات ضيّقة. هكذا تعلّمنا منذ اليوم الأول. كل المباريات تُصمَّم لهذا الغرض، ولذلك من الصعب على القادمين من الخارج التأقلم؛ إنّها طريقة فريدة».
في برشلونة، عانى كثير من قلوب الدفاع الوافدين لتقديم مستوى التمرير المطلوب عند البناء من الخلف. كما رُفض حُراس ممتازون لأنّهم غير مرتاحين بما يكفي بالكرة عند أقدامهم.
لكن بحسب جوردي رورا، مدير «لا ماسيا» بين 2014 و2021، فإنّ التركيز الشديد على خصائص معيّنة قد يعني إغفال خصائص أخرى: «أتذكّر أنّه كلما برز لاعب مهمّ في مركز المهاجم الصريح (في الأكاديمية)، كانت أجراس الإنذار تُقرَع فوراً. أحياناً كنا نتلقّى تقارير تقول: هو لاعب جيد وكل شيء، لكنّه فقط يُسجّل الأهداف. وكأنّ اللاعب الذي يُسجّل الأهداف فقط لا يملك القدرة، في حين أنّه الأهم في كرة القدم. أحياناً يصل الأمر إلى أنّ هذا الهوَس بالتميُّز، وبالحمض النووي لبرشلونة، قد يؤدّي إلى مواقف مُضلِّلة نوعاً ما. كنتُ أقول: حسناً، إذا كان يسجّل الأهداف فقط، فلننظر إليه، لأنّ الأهداف هي الأهم في السوق».
ربما لهذا السبب، حُوِّل عدد من الذين بدأوا في «لا ماسيا» كمهاجمين صريحين إلى مراكز أخرى. وكان ذلك حال أولمو، الذي بات صانع ألعاب هجومي وجناحاً.
في الفئات العمرية ببرشلونة، يعني التركيز على اللعب الجماعي والربط مع الآخرين أنّ مسؤولية تسجيل الأهداف غالباً ما تُوزَّع على المجموعة، ما ينتج منه مجموعة مهاجمين أكثر تنوُّعاً. لكنّه قد يعني أيضاً، عند الترقية إلى الفريق الأول، غياب ملف الهدّاف المتسلسل.
ويُضيف رورا: «في برشلونة، نبحث عن ملف مهاجم يستطيع أيضاً الربط، أن يأتي ليستلم الكرة. أحياناً يتحوّل الرقم 9 التقليدي هنا إلى مهاجم وهمي. ما نطلبه منهم، وهو أمر أساسي وبديهي، أن يكونوا هدّافين لكن من دون التخلّي عن عمل بدء الضغط. نبحث أيضاً عن ملف يحافظ على استمرارية اللعب، يأتي ليستلم الكرة في الوسط، قادر على الربط مع الآخرين، ويُجيد اللعب وظهره إلى المرمى».
هناك عامل آخر هنا، وليس خاصاً ببرشلونة وحده. عندما يتعلّق الأمر باللعب للفريق الأول، لا أحد يملك الوقت لانتظار هدّاف ليطوّر حرفته. عليهم أن يدخلوا عند سنوح الفرصة وينطلقوا فوراً. فيَصِف رورا دور المهاجم بأنّه «مركز إمّا أن تنجح فيه أو تفشل». ودونغو، الذي حاول فرض نفسه في فريق كان فيه ليونيل ميسي راسخاً كمهاجم وهمي، يوافقه الرأي.