طرابلس وأزمة الأبنية المتداعية: تغيب البلدية وتحضر اللامركزية الغائبة
طوني عطاالله
Thursday, 12-Feb-2026 07:25

ما تشهده مدينة طرابلس من انهيارات متكرّرة في الأبنية، وما يرافقها من سقوط ضحايا وتشريد عائلات، ليس حادثاً عابراً ولا قضاءً وقدراً، بل هو إنذار مدني وثقافي واجتماعي. فالمأساة كشفت بوضوح جارح كم هي ثقافة اللامركزية والحكمية المحلية غائبة عن اللبنانيِّين، وكم يغيب معها منطق المبادرة والمحاسبة والثقة بالقدرة المواطنية. سارع كثيرون، كالعادة عند كل فاجعة، إلى تحميل «الدولة» والحكومة ووزارة الداخلية المسؤولية، وكأنّنا ما زلنا نعيش في عقلية نظام سلطوي يُمسك بكل خيط. هذا الاتهام، وإن بدا مريحاً، لكنّه خطأ في التشخيص. أحد المقالات المنشورة وضع تحت عنوان: «الدولة هذا الغائب الأكبر» (11/2/2026).

المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق البلديات، لا على المجلس البلدي الحالي وحده، بل على المجالس البلدية المتعاقبة التي راكمت الإهمال، وغضّت الطرف، وتسامحت مع الخطر حتى الكارثة. غير أنّ الأخطر من الإهمال هو غياب ثقافة المحاسبة المحلية، وتحوّل عبارة «مش طالع بإيدي شي» إلى «حكمة» شعبية تُبرّر التقاعس، فيما الحقيقة أنّه حين تستقيل الإرادة، يسقط البناء قبل أن يسقط السقف والجدران.

 

قانون البلديات اللبناني هو قانون لامركزي بدرجة كبيرة، ويمكن القول إنّ أكثر من 80% من مواده تمنح صلاحيات ذات طبيعة محلية مباشرة. ليست البلدية جهاز تنظيف ولا مكتب علاقات عامة، بل سلطة تنفيذية وإجرائية محلية تتمتع بصلاحيات واسعة: إلزام المالك والمستأجر بصيانة البناء، إجراء الكشف الفني، إخلاء الأبنية المهدّدة بالسقوط، واتخاذ قرارات فورية لحماية السكان. وعندما لا تُمارَس هذه الصلاحيات، لا يكون الخلل في النص القانوني بل في الثقافة المواطنية والسياسية والإدارية المحلية التي لا تؤمن فعلاً بالمسؤولية المحلية، وتستبدلها بعقلية التلزيم والانتظار بدل عقلية المبادرة والفعل.

 

رئيس البلدية، بصفته رئيس السلطة التنفيذية المحلية، يتمتع بصلاحيات واضحة للمحافظة على الراحة والسلامة والصحة العامة، وله أن يأمر بهدم المباني المتداعية أو إصلاحها على نفقة أصحابها، وفق المادة 74 من قانون البلديات (المرسوم 118 /1977 وتعديلاته). وفي ممارسة هذه الصلاحية، يتقدّم المالك أو المستأجر بطلب كشف لرفع المسؤولية عنه، وفي حال صدر قرار بالإخلاء، ينبغي الامتثال له حرصاً على سلامة القاطنين والسلامة العامة. لكنّ المشكلة أنّ هذه الآلية بقِيَت في معظم الأحيان معطّلة أو خاضعة للمجاملات والزبائنية والفساد والضغوط السياسية والاجتماعية، بما أفقد المواطن ثقته بجدوى القانون وبجدوى الإعتراض أو المبادرة.

 

اليوم، الحلّ يتخطّى مبادرات بلدية فردية وقرارات مرتجلة تحت ضغط الرأي العام، أو الإكتفاء بالإعتماد على موظفين. المطلوب تحرُّك منظّم وعاجل، يبدأ باستنفار هندسي شامل: اجتماع فوري لمهندسي الشمال في بلدية طرابلس، ومؤازرتهم بخبرات من النقابة والجامعات، لوضع خطة كشف منهجية على الأبنية المهدَّدة، واقتراح معالجات فورية ولو بالحدّ الأدنى، لوقف مسلسل الانهيارات ومنع تفاقم موجة الذعر. فالنقمة حين تُوجَّه إلى المكان الخطأ، تتحوّل جزءاً من المشكلة بدل أن تكون مدخلاً إلى الحل، وتصبح ذريعة إضافية لتكريس ثقافة العجز بدل ثقافة الفعل.

 

لدينا في لبنان أمثلة مضيئة بمبادرة من المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم. في زحلة، طُرحت مبادرات أهلية لحصر الأبنية التراثية حفاظاً على الذاكرة العمرانية (حوالى 1000 مبنى). وفي بلدات أخرى مثل حمانا، جرى ترقيم الأبنية وتسمية الشوارع لتسهيل الخدمات والطوارئ. وفي راشيا الوادي زيدت المساحات الحرجية لمقاومة التصحّر وتحوّل السوق الأثري إلى مادة سياحية. هذه الأعمال تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّها تؤسس لعلاقة مسؤولة بين المواطن والمكان، وتُكرِّس مفهوم الحكمية المحلية القائم على المبادرة المحلية لا على انتظار السلطة المركزية، وعلى العمل الذي يتكلّم عن نفسه بدل الاكتفاء بالشعارات.

 

في مقابل ذلك، يطلّ وجه آخر للأزمة: الإعلام. بدل أن يكون شريكاً في الوقاية والتوعية، تحوّل في حالات كثيرة إلى أداة تشهير وإثارة. في تجربة سابقة لي في الوكالة الوطنية للإعلام، كنا نتلقّى تقارير رسمية عن مخالفات صحية في معامل ومطاعم ومؤسسات غذائية. كانت التقارير عبارة عن مجرّد قرارات إدارية خاضعة للطعن أمام المحاكم. لم نكن ننشر أسماءها منعاً للتشهير، بل نعتمد أسلوب «الإعلام الإداري» الرصين والهادف، فنعلن عن وجود مخالفات في قطاع معيّن، ونحثّ المستهلكين على التأكّد من التراخيص والمعايير الصحية بأنفسهم وشرح تلك المعايير وتبسيطها تسهيلاً لهم. الهدف كان حماية صحة الناس من دون تدمير المؤسسات ولا إذلال أصحابها. أمّا اليوم، فتُمارس مظالم إعلامية، بل عهر إعلامي، على شاشات تتحوّل فيها القضايا العامة إلى مادة للتسلية والفضائح، بدل إبراز الإنجازات حيث يكون العمل هو الخبر الحقيقي.

 

ما يحصل في طرابلس ليس قدراً. هو نتيجة تراكم إهمال، وغياب مساءلة محلية، وثقافة سياسية ما زالت ترى في الدولة المركزية «فشة خلق» لكل فشل محلي! وإذا أردنا منع الكارثة المقبلة، علينا أن نعيد الإعتبار إلى البلدية كسلطة فعلية، وإلى المواطن كشريك لا كمتفرّج، وإلى المهندس كحارس للأمان لا كشاهد صامت، وإلى المبادرة بدل عقلية التلزيم، وإلى المحاسبة المحلية بدل ثقافة الأعذار.

 

في طرابلس، لا ينهار الحجر وحده. تنهار معه صورة المدينة، وذاكرة أهلها، وشعورهم بالأمان في بيوتهم، والمقاربات المحض قانونية - ولا نقول الحقوقية والواقعية - لقانون اللامركزية الإدارية. المدينة لا تحتاج إلى بيانات تعاطف إضافية، بل إلى قرار محلي شجاع، وثقافة محلية بلدية جديدة تقول بوضوح: حماية البيوت سياسة عامة، والمدينة لا تُدار بالإنكار، بل بالمسؤولية المحلية. كارثة طرابلس تستدعي مراجعة بالعمق لقانون اللامركزية الإدارية، وضرورة إرفاق تلك المراجعة بدراسة جدوى، لأنّ اللبنانيِّين غير مؤهلين لتطبيق اللامركزية (تراجع دراسة جدوى في تطبيق قانون اللامركزية، أعدّها البروفيسور أنطوان مسرّة، عُرضت خلال ورشة عمل في وزارة العدل بتاريخ 17/12/2025).

الأكثر قراءة