في السنوات الأخيرة، غزت مُكمِّلات الفطر الأسواق تحت وعود برّاقة: سعادة أكبر، طاقة مضاعفة، تركيز حاد، وتوازن نفسي شامل. الفطر، الذي طالما شغل مكانة غامضة في الأدب والأساطير، تحوّل اليوم إلى سلعة «عافية» مصقولة، تُسوَّق على رفوف المتاجر الكبرى كما لو كان مفتاحاً سريعاً لتحسين الذات.
تستحضر هذه الظاهرة فوراً مشهد «أليس في بلاد العجائب»، حين تتبدّل أحجام البطلة بمجرّد قضمة من فطر سحري. الفارق أنّ ما كان خيالاً أدبياً في القرن الـ19، أصبح في 2026 واقعاً استهلاكياً يومياً لزبائن يبحثون عن أفضل نسخة ممكنة من أنفسهم. قهوة بالفطر «التكيّفي»، كاكاو بالفطر «الوظيفي»، قطرات نوم، والآن علكات فطرية ملوّنة، يتعامل معها مؤثرو العافية كاكتشاف ثوري.
صحيح أنّ للفطريات تاريخاً علمياً محترماً، من المضادات الحيوية إلى أدوية خفض الكوليسترول، وأنّ بعض الأنواع أظهرت نتائج واعدة في أبحاث متقدمة حول السرطان أو الأمراض العصبية. لكنّ العلكات المطروحة اليوم لا تعِد بعلاج محدّد، بل بشيء أكثر ضبابية: «رفاه خلوي شامل». هذا الغموض ليس بريئاً، بل جزء من السحر التسويقي المتعمّد.
تجربة شخصية مع أحد أشهر هذه المنتجات، وهو علكات WonderDay Mushroom Gummies المنتشرة في متاجر كبرى، كشفت فجوة واضحة بين الوعد والنتيجة. الشركة المصنّعة تؤكّد أنّ مزيجاً من فطر عرف الأسد، والشاغا، والريشي، وذيل الديك الرومي، وغيرها، قادر على تحسين المزاج والذاكرة والطاقة والاستجابة للتوتر... وكل ذلك عبر حبّتَين يومياً. بعد شهر من الاستهلاك المنتظم، وحتى بجرعات أعلى من الموصى بها، لم يظهر أي تأثير ملموس يُذكر، سوى طعم فاكهي مقبول وقوام يذكّر بحلوى طفولية لزجة.
محاولات أخرى مع منتجات منافسة لم تكن أكثر إقناعاً. واللافت أنّ العلم، وفق مختصّين في علم الفطريات، لم يصل بعد إلى المستوى الذي تروّج له الحملات الإعلانية. فالدراسات المخبرية لا تعني بالضرورة أنّ مستخلصاً ضئيلاً مضغوطاً في علكة غير خاضعة لرقابة دوائية صارمة سيحقق الأثر نفسه.
في النهاية، وبعد نزع الأساطير والالتباس العلمي، يبقى تسويق ذكي للغاية. هذه المنتجات لا تدّعي معالجة مرض، ولا تفترض وجود خلل، بل تبيع فكرة التمكين الشامل وتحسين الذات بجهد فردي بسيط. تحويل هذا الوعد إلى حلوى هو الضربة التسويقية الأذكى: متعة بريئة، مريحة، ومشحونة بإيحاء علاجي. قد لا تغيّر صحتك فعلياً، لكنّها قادرة على تغيير إحساسك بها. وللكثيرين، بعد يوم طويل من الإرهاق، قد يكون ذلك كافياً تماماً.