عام 2016 في عهد الرئيس باراك أوباما، أُقرَّت معاهدة الـ38 مليار دولارمساعدات لإسرائيل وتنتهي عام 2028. يومها كان السيناتور ليندسي غراهام رئيساً للجنة الفرعية في مجلس الشيوخ المكلّفة بتوزيع المساعدات الخارجية. صاحب الموقف المدوّي في 14 أيار 2024 «أعتقد أنّه كان مقبولاً للولايات المتحدة أن تلقي قنبلة نووية على هيروشيما وناغازاكي لتتصدّى لتهديد وجودي. أقول لإسرائيل افعلوا اللازم لتبقوا كدولة يهودية». لم تكتفِ الولايات المتحدة باتفاقية أوباما، فمنذ اندلاع حرب 7 أكتوبر تلقت إسرائيل 22 مليار دولار من الولايات المتحدة التي موّلت 70% من كلفة الموازنة العسكرية الإسرائيلية.
مع هاري ترومان أول رئيس يعترف بدولة إسرائيل عام 1948 بعد 11 دقيقة من الإعلان، توالت العهود الديموقراطية والجمهورية لتدعم هذه الدولة ضمن استراتيجية القاعدة المتقدمة الموكل إليها حماية الممرات المائية والنفطية، والمصالح الأميركية المرتبطة بالأمن والموارد.
في معاينة سريعة للإنقلاب الدراماتيكي الذي طال الرأي العام العالمي بشكل عام والأميركي بشكل خاص بعد أحداث 7 أكتوبر، تُسجّل استطلاعات موثقة غير مسبوقة لهذه التغيّرات. على سبيل المثال وبحسب استطلاعات «واشنطن بوست»، 32% فقط من الأميركيِّين يؤيّدون التدخّل في غزة، ولأول مرّة أكثر من 50% من الأميركيِّين مستعدّين لدعم القضية الفلسطينية. عام 2013 كان 10% من اليهود الأميركيِّين يرَون أنّ دعم إسرائيل مفرط. اليوم أصبحت نسبة هؤلاء 32%. كما يرى 39% من اليهود أنّ الجيش الإسرائيلي يرتكب مجازر جماعية. وبحسب استطلاع أجرته «نيويورك تايمز» وجامعة «سيينا»، أكثر من 50% من الأميركيِّين و70% من الشباب الأميركي يعارضون تقديم دعم اقتصادي وعسكري إلى إسرائيل.
قد تبدو للبعض هذه الأرقام مرتبطة بمزاجية رأي عام تتغيّر بحسب مجريات الأحداث والتطوّرات، لكنّ الحقيقة أنّ مستوى هذه التغيّرات طالت أعلى مستويات الحزبَين الرئيسيَّين. عند الديمقراطيِّين يجد الخبراء أنّ السياسة الموالية لإسرائيل التي اتبعها كلينتون وأوباما وبايدن لم تعُد تحظى بدعم شعبي. فالسيناتور جون فيترمان، وهو من كبار داعمي إسرائيل، يعترف أنّ ذلك سيكلّفه مقعده في الانتخابات النصفية المقبلة، بالإضافة إلى مرشحين آخرين مثل بيت بوتيجيج وغافين نيوسوم وكوري بوكر وجوش شابيرو، يقولون إنّ دعم إسرائيل أصبح سماً سياسياً، ويتلعثمون عندما يُسألون عن الأمر.
غيرهم بدأ يتخلّى عن دعم «آيباك» مثل نائب ماساتشوستس سيث مولتون، الذي أعلن في 16 تشرين الأول الماضي أنّه سيُعيد كل التبرّعات التي تلقّاها من هذا اللوبي. وحتى رحلات الدراسة المموّلة بالكامل للمنتخبين الديمقراطيِّين الجدد إلى الأرض المقدسة، أصبحت تجذب عدداً أقل من المرشحين. إنّها الـ«آيباك» التي حكمت الولايات المتحدة منذ عقود، اعترف الرئيس ترامب بتراجعها الشهر الفائت، وهي التي أسقطت بول فيندلي عام 1982 بسبب لقائه بياسر عرفات، وصولاً إلى عام 2024 حين استثمرت 45 مليون دولار ذهب نصفهم لهزيمة جمال بولمان في نيويورك وكوري بوش في ميزوري، لأنّهما طالبا بوقف إطلاق النار في غزة.
على مستوى آخر استراتيجي وجيوسياسي، تبدو الصورة أخطر بالنسبة إلى محبي إسرائيل، فثمة تباينات خمسة، ترسم مستقبل العلاقات الإسرائيلية الأميركية:
أولاً: ورد في وثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة أنّ الشرق الأوسط لم يعُد أولوية لأنّه لم يعُد مصدراً للمشاكل والثروات، بينما هو الفضاء الحيوي لدولة إسرائيل.
ثانياً: وثيقة الأمن القومي الأميركية لا تُحبِّذ إسقاط الأنظمة أو تطويرها، وهذه إشكالية كبيرة للإسرائيليِّين الذين يفضِّلون إسقاط النظام الإيراني اليوم، وغداً إدراج النظامَين السوري والتركي على القائمة السوداء، إذ بحسب مراكز الدراسات النافذة الإسرائيلية بدأ الحديث عن خطر إسلاموي مصدره أنقرة.
ثالثاً: يرى الديمقراطيّون بحسب فلسفة كريس مورفي، والجمهوريّون المناصرين لنظرية «ماغا»، أنّ صرف موازنات عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط بات استراتيجية خاسرة، وهذا ما يقلق السلطة في إسرائيل، التي تعتمد على هذه الموازنات مباشرةً أو من خلال عمليات الجيش الأميركي.
رابعاً: مقاربة ملف لبنان وسوريا والعراق، هل هي دول مركزية تدور في الفلك الأميركي أم دويلات هشة متقاتلة بحسب رؤية بن غوريون؟
خامساً: ملف المفاوضات مع إيران ورغبة ترامب بإبرام صفقة مقابل سعي إسرائيلي لحسم عسكري تجني ثماره في تعزيز أمنها القومي.
قد تبدو هذه التغيُّرات غير وشيكة على المدى القريب، لكنّها ستُحدِّد حتماً مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وصولاً إلى تغيير جذري في مسار الشرق الأوسط المتغيِّر من دون ملل.
• لائحة الأسماء بالإنكليزية فقط كما وردت في النص،
Lindsey Graham Harry Truman. John Fetterman. Pete Buttigieg. Gavin Newsom. Cory Booker. Josh Shapiro. Seth Moulton. AIPAC. Paul Findley. Jamaal Bowman. Cori Bush. Chris Murphy