كثيرون يلاحظون شعوراً بالارتياح أو السعادة بعد شرب فنجان من القهوة، وكأنّها زرّ إعادة تشغيل للدماغ في خضم يوم مُرهق. لكن هل يتجاوز هذا الإحساس اللحظي حدود التنبيه الموقت؟ وهل يمكن للقهوة أن تلعب دوراً في مكافحة الاكتئاب؟
تشير دراسات وتحليلات واسعة النطاق إلى وجود ارتباط بين شرب القهوة وانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب. غير أنّ هذا الارتباط، كما يوضّح اختصاصيّون في الطب النفسي، لا يعني بالضرورة أنّ القهوة تمنع الاكتئاب أو تعالجه. فالعلاقة ليست قوية بالقدر الذي يجعل القهوة في مصاف العلاجات الطبية أو حتى النشاط البدني المنتظم.
يقظة، طاقة وتركيز
ما يحدث في الدماغ أبسط من ذلك: الكافيين مادة منبِّهة، تعزّز نشاط الدوبامين، وهو ناقل عصبي مرتبط بالشعور بالمتعة والدافعية. لهذا يشعر شاربو القهوة بمزيد من اليقظة والطاقة والتركيز، وهو ما ينعكس غالباً على المزاج، خصوصاً في الساعات الأولى من الصباح.
هذا التأثير يكون أوضح عندما يكون الجسم في حالة «عجز»، كقلة النوم أو الضغط الذهني أو تأخّر فنجان القهوة المعتاد. في هذه الحالات، يكون أول فنجان هو الأكثر تأثيراً، لأنّه يأتي في ذروة التعب. لكنّ الدماغ ذكي بطريقته الخاصة؛ فمع الاستهلاك المنتظم، يبدأ بالتكيّف مع الكافيين، ويصبح تأثيره أضعف مع الوقت.
لذلك، لدى مَن يشربون القهوة يومياً، قد لا يكون تحسّن المزاج سوى عودة إلى الحالة الطبيعية بعد زوال أعراض الانسحاب، مثل الصداع أو الخمول. ومع ذلك، يبقى هذا «التحسّن» مُرضِياً نفسياً. أمّا الرفع الحقيقي للمزاج، فيبدو أنّه يقتصر أكثر على مَن يشربون القهوة بشكل متقطّع، لأنّهم لم يطوّروا بعد تحمّلاً للكافيين.
الفائدة المزاجية فنجان أو فنجانان
بشأن الكمية، يتفق الخبراء على أنّ الفائدة المزاجية تميل إلى الظهور مع فنجان أو فنجانَين يومياً. أقل من ذلك قد لا يُحدِث فرقاً يُذكر، وأكثر من ذلك قد يؤدّي إلى القلق والتوتر والعصبية. ويختلف تحمّل الكافيين من شخص لآخر، تبعاً لسرعة الأيض والحساسية الفردية.
بالنسبة إلى البعض، حتى كمّيات صغيرة قد تزيد من القلق أو تؤثر في جودة النوم، خصوصاً إذا استُهلكت القهوة في وقت متأخّر من النهار. لذلك يُنصح بتجنّب الكافيين قبل النوم بـ6 إلى 12 ساعة. كما يُفضّل أن يقلِّل منها مَن يعانون أصلاً من اضطرابات القلق.
الأطفال دون سن 12 عاماً يُنصح بتجنّب القهوة تماماً، فيما ينبغي على المراهقين الحدّ من استهلاكها. أمّا مَن يتناولون أدوية منبّهة أو بعض الأدوية النفسية، فعليهم استشارة الطبيب بسبب احتمال زيادة الآثار الجانبية.
الخلاصة بسيطة: إذا كنت تشرب فنجاناً أو اثنين من القهوة يومياً ولا تعاني من أي مشاكل صحية، فلا داعي لتغيير عادتك. فبالنسبة إلى كثيرين، المتعة تكمن في الطقس نفسه أو في الطعم. أمّا إن كنت لا تشرب القهوة، فلا سبب مقنعاً للبدء بها فقط من أجل تحسين المزاج، لأنّ تأثيرها - إن وُجد - محدود.