ترامب بدأ والبقية سيتبعون
د.جوزيف ديب
Monday, 02-Feb-2026 06:54

تبدو أسماء مثل دونالد ترامب، إيران، «حزب الله»، إسرائيل، الاتحاد الأوروبي، حلف الناتو، كوريا الشمالية، روسيا، الصين، إلى جانب شركات كبرى وبُنى صحية وثقافية ومالية، عناوين متباعدة لا يجمعها رابط واحد. لكن عند التدقيق، تتقاطع جميعها عند مفهوم مركزي واحد هو الأمن. لم يعد الأمن اليوم مفهوماً أحادي البعد، بل انقسم إلى مسارين متلازمين: أمن تقليدي يرتبط بالجيوش والحدود والردع، وأمن سيبراني يرتبط بالفضاء الرقمي والبنى التشغيلية. ما يوحّد هذين المسارين هو الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة تقنية إضافية، بل أصبح محركاً يرفع إيقاع الردع والاستجابة، كما يسرّع الاختراق والرصد والتهديد في آن واحد. وعند هذه النقطة، يتبيّن أنّ ما يجمع هذه العناوين ليس سياسة عابرة، بل منظومة معقّدة من الصراع والإنذار المبكر والتشغيل، تتكشّف عبر محطات مختلفة.

في النزاعات بين الدول، لم يعُد استهداف مستشفى أو الإعلان عن محاولة اختراقه حدثاً ثانوياً. حين يحصل ذلك، يتحوّل إلى فعل ذي طبيعة حربية، تُستحضر فيه خيارات الهجوم أو الردع. في عام 2023، أصدرت إسرائيل بياناً رسمياً نسبت فيه محاولة هجوم سيبراني على مستشفى «زيف» إلى إيران و«حزب الله». وفي عام 2025، أُعلن رسمياً أنّ إيران تقف خلف هجوم سيبراني نُفّذ خلال يوم الغفران واستهدف مركز «شمير» الطبي، وأدّى إلى تسريب بيانات. هنا لا تكمن الدلالة الأمنية في فتح ملف سياسي تقليدي، بل في التحوّل النوعي الذي طرأ على ساحة الضغط، حين انتقلت من الميدان العسكري إلى القطاع الصحي، ثم إلى الخدمات المدنية، وتمدّدت لتشمل مواقع شديدة الحساسية مثل حقل كاريش ومنشآت مطار بن غوريون. عند هذه المرحلة، يصبح الأمن عنوان مواجهة فعلية بين الجبهات، تُدار عملياً بأدوات الذكاء الاصطناعي من دون إعلان سياسي صريح. تعطيل كاريش يعني اضطراباً في إمدادات الطاقة وتكاليف اقتصادية ضخمة، وتعطيل بن غوريون يعني شللاً في الملاحة الجوية وما يتبعها من سياحة وشحن وأعمال. في هذا السياق، تتراجع فعالية الصواريخ الباليستية الإيرانية، ومخازن «حزب الله» شمال الليطاني، وسرديات نزع السلاح والاستراتيجية الدفاعية، أمام واقع يصبح فيه الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من لعبة الحرب، سواء في الردع أو في الهجوم.

 

من هنا يمكن فهم عودة الأمن التقليدي إلى الواجهة بوصفه رافعة اقتصادية، لا مجرّد عنوان عسكري. في منتدى دافوس، ظهرت أوضح نسخة لاستخدام الأمن كأداة اقتصادية، حين قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب غرينلاند لا كجزيرة نائية، بل كضرورة أمنية في قاموس التحالف الغربي. لم تُطرح غرينلاند كفكرة جغرافية، بل كمساحة ردع في الشمال، تُقرأ ضمن حماية المجال الأطلسي ومسارات الصواريخ ومنظومات الإنذار المبكر. بهذا المنطق، تصبح جزءاً من خط دفاع متقدّم، ويغدو الضغط على الدنمارك وغرينلاند تفاوضاً تحت سقف الأمن لا السياسة، وتتحوّل السيطرة على المعادن النادرة إلى نتيجة أمنية تُسوَّق بوصفها تحصيناً للغرب. هذا يتقاطع مباشرة مع مفهوم «الهيمنة على الموارد» كما ورد في Trumponomics Doctrine.

 

على مستوى الشركات، يتجلّى وجه آخر للأمن السيبراني، حين يتحوّل إلى شرط تشغيلي لا يحتمل الفشل. في عام 2024، أدّى تحديث برمجي خاطئ مرتبط بمنتج أمني إلى عطب تشغيلي واسع النطاق. لم يكن ذلك اختراقاً من خصم خارجي، بل خللاً في تحديث أدّى إلى تعطّل أجهزة «ويندوز» على نطاق كبير. لاحقاً قدّرت مايكروسوفت أنّ نحو 8,5 ملايين جهاز تأثرت بهذا العطل. هنا، لا تعني كلمة «خلل» وصفاً عاماً، بل تشير إلى عطل منظومي مفاجئ في طبقة التشغيل المشتركة، يوقف الأنظمة عن العمل ويحوّل الثقة السائدة إلى سلسلة أعطال مترابطة. حين تُصاب هذه الطبقة، لا يتوقف جهاز أو برنامج فحسب، بل تتعطّل أنظمة كاملة تعتمد بعضها على بعض عبر قطاعات مختلفة. يظهر الأثر فوراً في الخدمة، ثم في الوقت، ثم في الكلفة، وأخيراً في الثقة. عندها يتضح أنّ أمن المنظومة التشغيلية ليس ترفاً، بل شرط أساسي لاستمرار دورة العمل من دون انقطاع.

 

يتضح الربط بين الأمن والسيولة بشكل مباشر في مثال آخر. في عام 2024، تعرّضت شركة Change Healthcare في الولايات المتحدة لهجوم سيبراني عطّل عمليات على مستوى وطني. السبب أنّ الهجوم أصاب حلقة وسيطة رقمية تمرّ عبرها معاملات ومطالبات ومدفوعات قطاع صحي كامل. هذه الحلقة ليست إجراءً إدارياً عادياً، بل بوابة تشغيل إلزامية. وحين تتوقف، تتأخّر المدفوعات، وتتأثر الخدمات، وتتغيّر قدرة المؤسسات على الاستمرار. هنا يتحوّل الأمن إلى عنوان مالي مباشر، لا تفصيلاً تقنياً.

 

في أوروبا، تكشف الثقافة بدورها أنّ الأمن ليس عسكرياً فقط، بل شرط استمرارية وحوكمة وثقة. في عام 2023، أعلنت المكتبة البريطانية تعرّضها لهجوم سيبراني عطّل خدماتها وأدخلها في مسار طويل ومكلف لإعادة الأنظمة إلى وضعها الطبيعي. التعطّل هنا ليس مسألة ثقافية معزولة، بل فاتورة اقتصادية حقيقية: خسارة زمن، كلفة تشغيل إضافية، اهتزاز ثقة، وتشغيل بدائل موقتة. حتى المؤسسات الثقافية، حين تتعطّل، تتآكل قيمتها الاقتصادية والرمزية معاً.

 

وعلى مستوى التحالفات، يظهر كيف يتحوّل الأمن السيبراني إلى وزن سيادي. في عام 2022، أصدر حلف الناتو بيان تضامن مع ألبانيا بعد هجوم سيبراني على بنيتها المعلوماتية، وأشار إلى أنّ ألبانيا وحلفاء آخرين نسبوا الهجوم إلى حكومة إيران. في اليوم نفسه، صدر موقف مماثل عن الاتحاد الأوروبي. هنا يدخل الأمن السيبراني إلى صلب قاموس السيادة والتحالفات، لأنّ ما يُختبر فعلياً ليس البيانات فقط، بل أهلية الدولة وقدرتها على الانتماء العملي إلى منظوماتها المشتركة من دون خوف أو تعطّل في التمويل والاستثمار والعقود.

 

في المقابل، يتغيّر معنى القوّة حين يتحوّل الفضاء الرقمي إلى قناة تمويل. في عام 2025، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي أنّ كوريا الشمالية تقف خلف سرقة نحو 1,5 مليار دولار من أصول افتراضية من منصة Bybit. في هذه الحالة، لا يعود الأمن مجرد حماية، بل يتحوّل إلى أداة تمويل عابر للحدود، ويغدو الاقتصاد نفسه ساحة استحواذ.

 

كل هذه الأمثلة، من مستشفيات إسرائيل إلى كاريش وبن غوريون، ومن دافوس وغرينلاند إلى مايكروسوفت وChange Healthcare، ومن المكتبة البريطانية إلى ألبانيا والناتو والاتحاد الأوروبي وBybit، تقود إلى نتيجة واحدة: الأمن بشقّيه أصبح عاملاً اقتصادياً مباشراً. الذكاء الاصطناعي هو المسرّع، لأنّه يختصر الزمن بين الإشارة والضرر، فتظهر الكلفة سريعاً ويظهر أثرها على التشغيل قبل أن يستوعب السوق ما حدث. هنا تبرز فكرة «السيادة التنبّؤية» بوصفها القدرة على الاستباق قبل التعطّل، عبر إنذار مبكر واستجابة أسرع، تضمن استمرار التشغيل والتوريد والدفع حين يتعثّر الآخرون.

 

من هذا المنطلق، يمكن فهم عبارة «ترامب بدأ والبقية سيتبعون» على مستوى التنفيذ لا الشعار. المسار انطلق عملياً حين أُطلقت في كانون الثاني 2025 مبادرة «ستارغيت»، التي جمعت كبرى شركات التكنولوجيا خلف مشروع استثماري واحد تحت مظلة الدولة، وقدّم فيها الذكاء الاصطناعي كقرار دولة ومنصة استثمار. في عقيدة ترومبونوميكس، يصبح الذكاء الاصطناعي قانوناً اقتصادياً تُدار به الدولة أو الشركة، وتُبنى عليه السيادة الاقتصادية الحديثة. القرار لم يعُد تفاعلياً ومتأخّراً، بل استباقياً وتنبّؤياً. مَن يملك القدرة على قراءة الخطر قبل وقوعه لا يفاوض على القيادة الاقتصادية، بل يفرضها كواقع. وفي عالم سريع الإيقاع، لن يكافئ الاقتصاد مَن يشرح بعد وقوع العطل، بل مَن يسبقه، ويحوّل الأمن والذكاء الاصطناعي إلى شرط ثقة يفتح التمويل والاستثمار ويُحكم السيطرة على مفاصل الدورة الاقتصادية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرجع المفاهيم هو Trumponomics Doctrine

كما وردت في:

The Official Birth of the Trumponomics Doctrine TRUMPONOMICS:

THE NEW WEALTH OF NATIONS!

منشور على LinkedIn بتاريخ 6 أبريل 2025، بقلم Joseph Deeb

https://www.linkedin.com/pulse/official-birth-trumponomics-doctrine-joseph-deeb-4ueuf/

الأكثر قراءة