المسيحيون العرب: شركاء التأسيس وصنّاع الحضارة في الفضاء الإسلامي
د. علي محمود الموسوي
Saturday, 31-Jan-2026 06:46

لم يكن الوجود المسيحي في الشرق الأدنى بعد الفتح الإسلامي مجرد وجود لأقلية تعيش على الهامش، بل كان وجوداً عضوياً فاعلاً، ساهم في تشكيل الهوية الثقافية والعلمية واللاهوتية للمنطقة. وتأتي دراسة أعمال اللاهوتي «عمّار البصري» (القرن التاسع الميلادي) لتكشف بعمق كيف أنّ المسيحيين العرب لم يشعروا يوماً بالغربة في أوطانهم، بل اعتبروا اللغة العربية والمنطق العقلي «الكلامي» أدواتهم الأصيلة، للتعبير عن إيمانهم وتفاعلهم الحضاري.

1. اللغة العربية: من لغة الوحي إلى لغة اللاهوت المشترك
يوضح «كتاب البرهان» لعمّار البصري، أنّ المسيحيّين العرب تبنّوا اللغة العربية ليس فقط كوسيلة للتواصل اليومي، بل كـ«لغة مقدّسة» وقادرة على حمل أدق المفاهيم اللاهوتية. لم يجد هؤلاء اللاهوتيّون حرجاً في استخدام مصطلحات كانت تُعتبر حكراً على الفكر الإسلامي الناشئ، ممّا خلق فضاءً فكرياً مشتركاً. لقد كانت «العربية» هي الجسر الذي عبر عليه الفكر المسيحي ليتفاعل مع الفكر المعتزلي وغيره من المدارس الكلامية، ممّا جعل من المسيحية العربية جزءاً لا يتجزّأ من «النهضة العباسية».
2. اللاهوت في سياق «علم الكلام»
لم يكتب عمّار البصري وأقرانه لاهوتاً معزولاً، بل انخرطوا في منظومة «علم الكلام». ففي كتابه «البرهان»، استخدم البصري العقل والمنطق لإثبات وجود الخالق ووحدانيّته، وهي القضايا نفسها التي كانت تشغل بال الفلاسفة والعلماء المسلمين. هذا الانخراط يثبت أنّ المسيحيّين كانوا «مشاركين نشطين» في المناظرات الكبرى التي صاغت العقل العربي. لقد قدّموا إسهاماتهم في تعريف مفاهيم مثل «الجوهر» و«العرض» و«الصفات»، وهي مفاهيم شكّلت العمود الفقري للفلسفة العربية الكلاسيكية.
3. المسيحيّون كمترجمين
وناقلين للمعرفة
تشير الدراسة إلى أنّ الدور المسيحي لم يقتصر على اللاهوت، بل كان دوراً وسيطاً حيوياً. فالمسيحيّون السريان والعرب كانوا هم الذين نقلوا التراث اليوناني (الفلسفة والطب والفلك) إلى العربية. هذا النشاط الترجمي لم يكن مجرّد عمل فني، بل كان فعلاً حضارياً جعل من بغداد ودمشق مراكز عالمية للعلم. ومن دون هذا الجهد، لكان مسار الحضارة العربية الإسلامية مختلفاً تماماً، ممّا يؤكّد أنّهم كانوا «بناة» حقيقيّين للصرح الحضاري.
4. الردّ على تهمة «الغربة» أو «التبعية»
تثبت أطروحة الدكتور ميخائيل، أنّ المسيحيّين العرب، مثل عمّار البصري، دافعوا عن أصالة إيمانهم داخل الإطار الثقافي العربي. ففي مواجهة الإتهامات بتحريف الإنجيل أو الشرك، لم يلجأ هؤلاء إلى لغات أجنبية أو قوى خارجية، بل استمدّوا حُججهم من داخل البيئة العربية وبراهين العقل. لقد أثبتوا أنّ «المسيحية العربية» هي مكوّن أصيل من مكوّنات الشرق، وليست عنصراً دخيلاً.
5. المواطنة الفكرية قبل السياسية
إنّ ما نلمسه في كتابات المسيحيّين الأوائل في العصر العباسي هو شعور عميق بالانتماء. لقد شاركوا المسلمين في بناء «دار الإسلام» ليس كأجانب، بل كأبناء الأرض الذين تجمعهم مع إخوتهم المسلمين لغة واحدة، وتحدّيات وجودية واحدة، وطموح حضاري مشترك. كانت مناظراتهم مع المسلمين تتسمّ بالندّية الفكرية والاحترام للمنظومة العقلية السائدة، ممّا يعكس نضجاً في مفهوم «المواطنة الثقافية».

 

خاتمة
إنّ دراسة تاريخ الشخصيات مثل عمّار البصري، تُعيد صياغة فهمنا للتاريخ العربي. إنّهم لم يكونوا «أهل ذمّة» بمعناها الانعزالي، بل كانوا روّاداً في الأدب، والطب، واللاهوت، والترجمة. إنّ الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي لم تكن نتاج لون واحد، بل كانت سيمفونية شارك المسيحيّون العرب في كتابة نوتاتها الأساسية، مؤكّدين أنّهم في ديارهم، وبين أهلهم، شركاء في الماضي وبناة للمستقبل.

الأكثر قراءة