أستاذة الفلسفة- جامعة السوربون باريس
عندما تعجز الدولة عن إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية نتيجة الحروب أو الفساد، أو الأزمات الاقتصادية، أو الاضطرابات الداخلية، يكون الكساد الاقتصادي نتيجة حتمية. ويُقصد بالكساد انكماشاً اقتصادياً حاداً، يتجلّى في تراجع الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع في معدّلات البطالة وانخفاض مستويات المعيشة. في مثل هذه الحالات، غالباً ما يُفتح المجال أمام تدخّل أنظمة سياسية-اقتصادية خارجية، بحُجّة تنفيذ برامج إنقاذية وإصلاحية، تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
غير أنّ السياسات الاقتصادية التي تعتمدها هذه المؤسسات الدولية، وعلى رغم من مساهمتها في تحقيق مؤشرات نمو اقتصادي شكلي، لم تنجح في تحقيق تنمية بشرية عادلة. فقد أفضت هذه السياسات إلى تعميق التفاوت الاجتماعي، إذ أصبح الأثرياء أكثر ثراءً والفقراء أكثر فقراً، وظهرت أشكال جديدة من البؤس الاجتماعي، واتسعت فجوة اللامساواة داخل المجتمعات.
يرجع ذلك إلى اعتماد نموذج اقتصادي احتكاري ممنهج، يتّسم بطابع توتاليتاري شمولي، منحاز بوضوح إلى المبادئ الليبرالية والنيوليبرالية. هكذا، فشلت سلطوية التنمية الحديثة في تحقيق العدالة الاجتماعية، خصوصاً في الدول الأكثر فقراً، بسبب القطيعة بين التنظير الاقتصادي والتطبيق العملي.
تتجسّد هيمنة هذا الاقتصاد الاحتكاري المعولم في مؤسسات دولية فاعلة في صناعة السياسات الاقتصادية، مثل البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الوكالات المانحة، وشبكات الخبراء، بالإضافة إلى بعض الحكومات التي تفرض سياسات ممنهجة على الدول الفقيرة. ويُعيد الاقتصادي الأميركي المتخصِّص في اقتصاد التنمية وليام إيسترلي (William Easterly)، الذي عمل سابقاً في البنك الدولي، هذا الخلل إلى ما يُسمِّيه في كتابه The Tyranny of the Cartel: «الكارتل» أو «الاتحاد الاحتكاري للتنمية».
لا يُقصد بالكارتل هنا المعنى الاقتصادي التقليدي المتمثل في تكتّل المنتجين للتحكّم بالأسعار والأسواق ومنع المنافسة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى احتكار للأفكار والمعرفة. إنّه «كارتل فكري» يفرض رؤية واحدة للتنمية والإصلاح الإقتصادي على الدول الفقيرة، ويُهَيمن على عالم المساعدات والتنمية.
نظام مغلق ممنهج بمبادئ عامة
يمثل هذا «الكارتل» منظومة مغلقة تحتكر مفهوم التنمية، وتتحكّم في مسارات التقدّم داخل الدول الفقيرة، في حين أنّ هذه المؤسسات نفسها تشكّل جزءاً من إشكالية الفقر. تتصرّف كأنّها تملك الوصفة الوحيدة الصحيحة للتنمية، أي أنّها تتصوّر التنمية كمجموعة وصفات جاهزة تُطبّق في كل مكان وزمان، معتمدة خططاً عملاقة لا تراعي الخصوصيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة، وكأنّ التنمية شيء يُستورد بدل أن يُبنى محلياً. أي أنّها تستمر في تنفيذ البرامج نفسها.
يفرض هذا النظام شروطاً غير مرنة، مثل التقشف المالي، خصخصة الخدمات العامة، تحرير سريع للأسواق، رفع الدعم عن الغذاء، زيادة الأسعار، تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم، تحرير سعر العملة، خفض التوظيف في القطاع العام. هذه السياسات تستند إلى مبادئ عامة ومناهج موحّدة، غالباً ما تكون غير ملائمة للسياق المحلي، ممّا أدّى إلى تفاقم البطالة والفقر بدل الحدّ منهما، وإلى إضعاف المؤسسات المحلية.
عندما تفشل هذه السياسات بشكل متكرّر، ولا يتحقق النمو الموعود ولا يتحسّن الفقر وتتفاقم الديون، غالباً يُلقى اللوم على فساد الحكومات المحلية، أو عدم الإلتزام الجدّي، بدل مراجعة التصميم البنيوي الخاطئ لهذه السياسات. وتحرص المؤسسات الدولية على إبراز إنجازاتها لتبرير استمرارها، من خلال تضخيم النجاحات، إخفاء الإخفاقات، إصدار تقارير متفائلة، إعادة تدوير البرامج نفسها في دول مختلفة، ما يجعلها غير خاضعة للمساءلة.
وعليه، تدخل الدول الفقيرة في حلقة مفرغة من الاعتماد على القروض والمساعدات، إذ تؤدّي الشروط المفروضة إلى إضعاف الاقتصاد الوطني، وجعله عاجزاً عن تحقيق نمو ذاتي، فيضطر إلى الإستدانة مجدّداً لسداد ديون سابقة. وهكذا تصبح هذه الدول رهينة لسياسات مفروضة من الخارج، تفقد معها قدرتها على تقرير مسارها التنموي. اللجوء إلى هذا «الملاذ الأخير» الذي يقدّم نفسه كطوق نجاة للدولة ليس إلّا «حبل مشنقتها».
في هذا المشهد، يُقرّر الخبراء، تُنفّذ الدول، ويظل الفقراء بلا صوت...