الشرق الأوسط: بين صراعات القـوى وسباق النووي
د. خالد العزّي
Wednesday, 28-Jan-2026 06:39

تحوّلت مأساة الشرق الأوسط إلى مهزلة أمام أعيننا. بدأ الأمر وكأنّه بداية الحرب العالمية الثالثة، إذ انجرّت الولايات المتحدة إلى الصراع، وأُطلقت الصواريخ من غواصات نحو أهداف أرضية. حلّقت 7 قاذفات شبح من طراز B-2 عبر نصف الكرة الأرضية، متسلّلة نحو المنشآت النووية الإيرانية. كان الأمر أشبه بفيلم هوليوودي، لكن هناك تفاصيل دقيقة لا بُدّ من الانتباه إليها.

أثارت الأحداث الأخيرة حيرة الكثيرين، ويبقى السؤال قائماً: ما الذي يحدث؟! بشكل عام، كانت العملية الإسرائيلية ناجحة عسكرياً لكنّها فشلت استراتيجياً. فعلى رغم من أنّ «القبّة الحديدية» نُسب إليها الكثير من النجاح في الإعلام، فقد تبيّن أنّها ليست فعّالة ضدّ الصواريخ المعقّدة التي تُنتجها إيران. كما أثبتت التجارب أنّ «القبّة» لا تتمتع بكفاءة عالية عندما يُحمّل النظام بطائرات مسيّرة.

 

حرب إسرائيل وإيران لشرعنة النفوذ

إسرائيل ردّت بعنف على إيران، وألحقت بها أضراراً جسيمة. لكن مع مرور الوقت، سيضعف النظام الإسرائيلي في مواجهة إيران، نظراً لاختلاف الحجم والسكان والإمكانيات الاقتصادية بين البلدَين. في صراع طويل، لا تمتلك إسرائيل فرصة حقيقية. ومن جانب آخر، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير راغب في التورّط في حرب قد تؤدّي إلى نشوب صراع عالمي، ممّا جعله يتجّنب التدخّل المباشر.

 

هل ستستمر هذه الحرب القصيرة؟ من المحتمل جداً. وعندما تبدأ أقوى أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، وهي مسألة شبه حتمية، لن يكون لدى أميركا وقت لإدارة شؤونها في الشرق الأوسط. وفي المستقبل القريب، قد تحصل إسرائيل على السيادة الكاملة، وهو أمرٌ قد يُثير الاعتراضات. لذا، على السياسيِّين الإسرائيليِّين التفكير في كيفية التعايش مع جيرانهم وتحقيق السلام، وإلّا فقد يواجهون الأزمات.

 

أمّا في ما يتعلق بالأسلحة النووية، فقد أصبح من السهل إنتاج شحنة نووية، على رغم من أنّ إنتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصّب هو التحدّي الأساسي. إيران تمتلك أجهزة طرد مركزي، وقدرتها على إنتاج سلاح نووي لا تُشكّل عقبة كبيرة. تكمن المشكلة في القدرة على إيصال هذا السلاح عبر صواريخ تتجاوز الدفاعات الصاروخية.

 

إيران وصناعة الأسلحة بالوكالة

في السنوات الأخيرة، اعتُبرت إيران أفضل صانع للأسلحة بالوكالة في العالم، من خلال دعمها لحركات مثل «حزب الله» والحوثيِّين. وادّعى الإيرانيّون أنّهم يخوضون حرباً ضدّ داعش في سوريا، في محاولة لتشريع دورهم في المنطقة والتقرّب من التحالف الدولي، كونهم جزءاً أساسياً من هذا التحالف الذي يقاوم التطرّف. كما كان هذا النهج جزءاً من محاولة غضّ الطرف عن أفعالهم في سوريا.

 

ومع ذلك، تشهد إيران في السنوات الأخيرة أزمة حُكم واضحة، ما يجعلها في وضعٍ سياسي حرج. تزامناً، ستستمر محاولات تقليم أظافر إيران في المنطقة، من خلال الضغط عليها لإبقاء النظام الحاكم، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام الحالي، فلا تتساقط شظاياه على بقية المنطقة.

 

منع تمدّد نفوذ الصين في الشرق الأوسط

الضغوط المستمرة على إيران، هي أيضاً مرتبطة بمنع نفوذ الصين في المنطقة. فإيران تمتلك كمّيات ضخمة من النفط الذي يُورَّد إلى الصين بشكل رئيسي، كما أنّها تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا في احتياطيات الغاز المؤكّدة. في حال «غزو» إيران أو تغيير نظامها، سيفتح الطريق أمام تركمانستان، التي تمتلك رابع أكبر احتياطي للغاز في العالم. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدّي تغيير النظام إلى تدمير أحد المسارات التجارية البرية الحيوية بين الشمال والجنوب، وهو أمرٌ ترفضه الولايات المتحدة وبريطانيا بشدة.

 

إنّ إغراء هذه الثروات الطبيعية والموارد هو أمرٌ لا يمكن تجاهله، ممّا يعني أنّ إيران لن تجد نفسها في راحة في السنوات المقبلة.

 

ترامب وكبش الفداء السياسي

أمّا بالنسبة إلى ترامب، فمن المحتمل أن يكون قد «أُعِدّ» ليكون كبش فداء سياسي. هذه المرّة نجا، لكنّ قد يُضحّى به في المستقبل، ويُكتب له نهاية سياسية. في هذا السياق، هاجمت إسرائيل إيران، واستهدفت مجموعات التخريب النظام الدفاعي الإيراني الضعيف من خلال المسيّرات. اغتالت الهجمات الصاروخية مسؤولين إيرانيِّين رفيعي المستوى، معظمهم من الحرس الثوري، بالإضافة إلى علماء نوويِّين. وقُضَيَ على الشخصيات التي كانت تتفاوض مع الولايات المتحدة. ثم خاطب سياسيّون إسرائيليّون الشعب الإيراني، داعين إياهم إلى الإطاحة بالنظام.

 

في خضم هذه الصراعات المتشابكة والمعقّدة، يتضح أنّ المنطقة دخلت في مرحلة من التحوّلات العميقة التي تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على جميع الأصعدة: العسكرية، الاقتصادية، والسياسية. يظل الصراع بين إسرائيل وإيران نقطة محورية تؤثر على استقرار المنطقة بأسرها، ومن غير المرجّح أن تنتهي هذه الحرب القصيرة بسهولة أو بسرعة. التوترات بين القوى الكبرى في المنطقة، فضلاً عن تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، تجعل من الصعب التنبّؤ بما سيحدث في المستقبل.

 

إيران، من جانبها، قد تجد نفسها في موقف حرج في ظل الأزمات الداخلية المتفاقمة، بينما تبقى القضية النووية ومسألة الأسلحة بالوكالة في صدارة التحدّيات التي تواجهها. تزامناً، يظل الدور الأميركي، على رغم من عدم رغبة إدارة ترامب في التورّط المباشر، مؤثراً بشكل غير مباشر في سياق هذه الأزمة، لا سيما في محاولات الضغط على إيران ومنع توسّع نفوذ الصين في المنطقة.

 

إسرائيل، من ناحيتها، قد تواجه مزيداً من العقبات في حال استمرار الصراع مع إيران على المدى الطويل، خصوصاً في ظل الفجوة الكبيرة في الإمكانيات الاقتصادية والسكانية بين البلدَين.

 

وفي النهاية، تبقى التسوية السياسية والتحوّل نحو السلام أمراً بالغ الأهمية، إذ تظل الفرصة الأخيرة لتحجيم الصراع وضمان استقرار المنطقة. إنّ الاستمرار في هذه الحروب بالوكالة قد يؤدّي إلى مزيد من التدهور، لكن في النهاية، لا بُدّ من أن يكون الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة من العنف والتدمير.

الأكثر قراءة