هل يخوض «الحزب» آخر حروبه؟
طوني عيسى
Saturday, 24-Jan-2026 07:47

قبل نحو أسبوعين، سُئل السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى عن مصير السلاح في شمال الليطاني وفكرة «الاحتواء» المتداولة، فأجاب: «بعد بكّير. منحكي». ولكن، سرعان ما تلاحقت الوقائع وبدأت تكشف الاتجاه.

مع انطلاق السنة الجديدة، كان الجو السياسي مشحوناً بغبار 3 ملفات وصلت إلى الحائط المسدود.

 

1- قطع الأميركيون الطريق على قائد الجيش رودولف هيكل، وعطّلوا زيارته المقررة لواشنطن، واعتبروها غير مجدية، في ظل الضبابية وتباطؤ لبنان الرسمي في نزع سلاح «حزب الله»، خصوصاً في المرحلة الثانية التي يُفترض أن تكون قد دخلت حيّز التنفيذ مطلع السنة، فيما هي تتأخر وتتعثر.

 

2- أُلغي الاجتماع الذي كان مقرّراً أن تعقده لجنة «الميكانيزم» في 14 الجاري، وكان الجانب اللبناني يستعد له بشقيه العسكري والمدني، بالتنسيق بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والسفير سيمون كرم.

 

3- بدأ «حزب الله» حملة «استيعاب» مبكرة، ضدّ الدولة اللبنانية، الهدف منها هو التصدّي لأي تفكير في نزع السلاح شمال الليطاني. وقد أطلق كوادر «الحزب» حملة تتهم الدولة اللبنانية بالعجز أمام إسرائيل مقابل الاستقواء على «المقاومة». وفي الواقع، يرفع «الحزب» سقف موقفه، رافضاً المسّ بسلاحه في شمال الليطاني، لكنه يعرف أنّ الضغط الهائل الذي يُمارس على لبنان، قتالياً من جانب إسرائيل وديبلوماسياً ومالياً واقتصادياً من جانب الولايات المتحدة، سيجبر «الحزب» في النهاية على الرضوخ في شكل من الأشكال. وهو إذ يرفع السقف عالياً جداً، فإنّ هدفه هو الحصول على تسوية. وفحوى هذه التسوية أن يكتفي «الحزب» بالتنازل عن ترسانته في جنوب الليطاني، لكنه يحتفظ بها في شماله، ويضعها «في أمانة» الجيش اللبناني. وبعد ذلك، تنعقد طاولة حوار لبنانية داخلية يكون عنوانها البحث في الاستراتيجية الدفاعية، التي من خلالها يتقرّر مصير السلاح والجناح العسكري لـ«الحزب».

 

وفي حقيقة الأمر، يعرف «الحزب» أنّ أي حوار في هذه المسألة الشائكة يستغرق سنوات. وهذا ما يمنحه هامشاً مفتوحاً من الوقت، وخلاله تتكشف صورة معادلات القوة في الشرق الأوسط، والمسار الذي ستسلكه ملفات غزة وسوريا واليمن، وفي الطليعة ملف النزاع الذي تخوضه إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فإذا تراخت حملة نتنياهوـ ترامب، ومالت الكفة مجدداً لمصلحة محور إيران، فإنّ قدرة الدولة اللبنانية على فتح ملف السلاح تتلاشى. وبذلك، يعود أصحاب السلاح ـ الموضوع أمانة في المستودعات ـ إلى التصرف به كما كانوا أساساً. وفي الواقع، سبق لـ«الحزب» أن سمع كلاماً من الموفد الأميركي توم برّاك يثني على فكرة «احتواء» السلاح بدل مصادرته، وراهن على تطوير هذه الفكرة وتسويقها في اعتبارها من مصدر أميركي.

 

بل إنّ جهات في داخل المحور الإيراني تعتبر أنّ الخيار الأفضل للخروج من «الكماشة» الحالية هو الإنحناء قليلاً للعاصفة، وانتظار تغيير سياسي يمكن أن يطرأ في إسرائيل ويطيح نتنياهو، أو، في أسوأ الحالات، يمكن كسب الوقت حتى انتهاء ولاية ترامب، ووصول رئيس أميركي قد يكون أكثر «اعتدالاً». وفي مراحل سابقة، راهن المحور على انتظار التغيير في البيت الأبيض، وقد تكلّلت رهاناته بالنجاح.

 

لكن هذا الرهان إياه، أي وجود ترامب في الحكم، يراهن عليه نتنياهو في شكل معاكس، أي هو الذي يدفعه إلى العمل وتحقيق الأهداف بسرعة صاروخية. فهو يريد تحقيق كل شيء في عهد ترامب، من غزة والملف الفلسطيني إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران والقرن الأفريقي.

 

ومنذ بداية السنة، بدأ نتنياهو التمهيد لتنفيذ الخطة المرسومة للبنان، بالتنسيق الكامل مع واشنطن. فالطرفان توافقا على تجميد عمل «الميكانيزم». وباشرت إسرائيل بمرحلة قاسية من العنف الناري في شمال الليطاني، فيما أخذت واشنطن على عاتقها «معاقبة» لبنان بكل الأشكال، بما في ذلك «مقاطعة» الجيش، ما لم يبادر إلى تنفيذ المرحلة الثانية جدّياً ومن دون تباطؤ.

 

هذا يفسّر تماماً فحوى عبارة «بكّير. منحكي» التي أطلقها السفير الأميركي. أي إنّ هناك «أجندة» جرى تجهيزها للملف اللبناني، وتنفيذها المبرمج هو الذي سيتكفل بإنضاج المخارج المطلوبة. ولذلك، لا داعي لسلق المراحل ما دامت الأمور ستتحقق في مواعيدها. وتعيين موعد جديد لقائد الجيش في واشنطن، في 3 شباط المقبل، يعني بالتأكيد أنّ الشكوى السابقة من بطء تعاطي الدولة مع ملف السلاح قد أخذت طريقها إلى الحل. وهذا أيضاً ما يفسّر اتساع الهوة في المواقف بين الرئيس عون و«الحزب». ووفق ما هو متوقع، بعد زيارة هيكل لواشنطن، ستنطلق «نيو ميكانيزم» أو أي صيغة تفاوضية بديلة، فيما سيوضع «الحزب» تحت ضغط داخلي وإسرائيلي في آن واحد: الأول هو ضغط معنوي من «أهل البيت» يعتمد النصيحة تجنّباً للأسوأ، وأما الثاني فهو ضغط ناري ستبالغ إسرائيل في توسيعه وتعنيفه كما يظهر، ولن يستطيع أحد تحمله، لا «الحزب» ولا بيئته ولا البلد.

 

وإذا لم تنجح المفاوضات الجارية مع «الحزب» حالياً في إنتاج تسوية مبكرة تتكفل بتعطيل الأجندة الإسرائيلية، فعلى الأرجح ستكون الحرب المقبلة قاسية جداً، وستكون آخر حروب «الحزب».

الأكثر قراءة