التربية على المواطنة: قراءة سوسيو - بنائية
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Saturday, 24-Jan-2026 07:12

لا بُدّ أن ترتكز التربية - على نحو غالب ومضمون - على منظومة ممنهجة ومُعدّة بفعل تصوّر شامل وتصميم مسبق؛ شريطة أنّ يُراد منها التجديد والإصلاح على مستوى الفرد المتعلّم، مع الأخذ بالاعتبار الظواهر الاجتماعية السائدة خارج حدود وجنبات المؤسسة التربوية؛ المدرسة نموذجاً.

وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ الأمر يتطلّب دونما تباطؤ أو تردُّد وبشكل مُلزِم، انفتاحاً مقصوداً على شروط الواقع الاجتماعي الذي يحُوط المدرسة من كل ناحية وزاوية. ومن ثم تالياً، حَمْل تلك الشروط إلى داخل المدرسة وإسقاطها على أجوائها الداخلية كافة؛ إذ إنّ المطلوب إعداد ذلك الفرد إعداداً اجتماعياً بدرجة كبيرة، لفائدة الانسجام مع ما هو سائد في المحيط الخارجي. وهذا ليس محلاً للأخذ والردّ أو لاعتراض معترض هنا أو هناك.

 

واعلم، أنّ ثمة حاجة مطلوبة بإلحاح شديد، إلى تفاعل جدلي وحيَوي في آنٍ واحد، بين مجمل مكوّنات المجتمع من جهة والمدرسة من جهة أخرى؛ ضماناً لاستمرار وجوده (المجتمع) وتطوّره ونموّه. إذاً وعلى ضوء ما تقدّم، تبرز التنشئة الاجتماعية داخل المدرسة - بوصفها الإطار السوسيولوجي لتحديد نوع ذلك التفاعل وطبيعته، لكن بعد تمام نَظْمِه وضبط أسسه وعناصره - كأساس معرفي يمنح العلاقة بين المُعلِّم والمُتعلِّم مرتبة متقدّمة، في مسيرة التكامل المنشود بين المدرسة والمجتمع. واعلم ثانية، أنّ أول ما يُناط بتلك التنشئة من عمل؛ التربية على مبادئ وطنية جامعة والتربية على المواطنة بشكل مخصوص.

 

وبهذه التنشئة الاجتماعية - المدرسية المتناغمة حتماً، مع محدِّدات الانتماء إلى وطن واحد موحّد الأطراف والنواحي، أَمْكَنَنَا نقل المتعلِّم من كونه كائناً بيولوجياً إلى كائن اجتماعي، قادر من خلال الاندماج الرصين مع الآخرين، على ممارسة قِيَم المواطنة كثقافة وسلوك وميزة اجتماعية محمودة، بوعيٍ واقتدار وبصيرة نافذة وعقل منفتح، من غير أن يخدش مشاعر الآخر بسوء، ولا أن يحمل عليه بسبب هويّته الدينية، أو أن يتطاول بِوَلَعٍ مُفرط على سلم أولوياته الاجتماعية.

 

من هنا، ولأنّ الضرورة تُقدر بقدْرها، نذهب إلى التصريح والقول بأهمّية أن ترسم المناهج التربوية هويةً للمتعلم، على شاكلة شبكة مرجعية - قاعدية من الولاء للدولة والوطن، تربطه (الشبكة) بمحيطه الاجتماعي المتنوّع بخيط سميك؛ تمهيداً لدخوله بسلام إلى الجماعة الوطنية، على أن يكون محمّلاً بـ «ألفباء» الحياة المشتركة؛ من قبيل التكافل والتضامن والتسامح والمشاركة الجماعية والرفع من شأن العلاقات الاجتماعية التي تُقرِّب البعيد ولا تُبعِد القريب بحال. ولأنّ التربية على المواطنة داخل المدرسة في هذا السياق، تتحدّد بنودها بحسب نسق القِيَم السائدة في المجتمع، ما يسمح بتجسيده (النسق) عبر آليات منهجية ونشاطات بيداغوجية مهارية مرافقة؛ فإنّ المتعلّم يكتسب بمعيتها صفة المواطن الصالح، لمصلحة القيام بدوره في عملية التنمية المجتمعية.

 

والحال هذه، يلزم النظر إلى المدرسة من منظار سوسيو - بنائي (Socio-structuralist)، لِتَبْدُوَ لنا نظاماً من السلوك الإنساني المكتمل الأركان، الذي يؤدّي وظيفة مركزية في البُنية الاجتماعية العامة. والمرجّح ههنا، أن يتكئ ذلك المنظار على باراديغم (Paradigm) تعليمي ذي 3 أبعاد. أمّا البُعد الأول وهو البُعد البنائي، فإنّه يخلع أهمية بالغة على دور المتعلِّم نفسه؛ إذ ينقله من متلقٍ سلبي للمعلومة إلى بنّاء ماهر، فيعمل على تفكيكها (المعلومة) إلى جزئياتها الأولية، ومن ثم يعود ليَعْمُر بُنيانها من جديد، مانحاً إياها هيئة جديدة، بِطَلَّة بهية وحلة قشيبة. وهكذا، يلجأ المتعلِّم إلى تنظيم ذاته وترتيب عالمه الداخلي، عبر عمليات التكيُّف والاستيعاب والتلاؤم.

 

وما البُعد الثاني إلّا بعد اجتماعي بلا رَيب، إذ ينخرط في تأسيسه مجموعة من الفاعلين الاجتماعيِّين؛ من المنظومة التربوية ومؤسسة الأسرة إلى الجهات الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها كثير، كعناصر لازمة في رسم معالم المسار التربوي جملة، ما يُهيّئ فضاءات جاذبة للحوار وتبادل الرأي. ويأتي أخيراً البُعد التفاعلي، الذي يُحيل التعلُّم إلى عملية اجتماعية، ذلك أنّ المتعلِّم لا يبني معارفه وهو منعزل في ركن قصي، وإنّما من خلال التفاعل مع المجتمع الصفي، الذي قوامه - بالإضافة إليه - المعلِّم، الأقران، البيئة الصفية التشاركية والأدوات الثقافية اللازمة لتشكيل تلك المعارف.

 

وبالاتكاء على هذه الأبعاد، تبدأ شخصية المتعلِّم شيئاً فشيئاً، بالتشكّل وفق مقاصد تربوية تقوم على قبول ما هو «غير» والرضا بالتنوّع والاختلاف؛ فتنمو قابليّته للتفاعل الإيجابي وتتطوّر في إثر ذلك كفاياته الاجتماعية. وعليه، تترسخ في وجدانه قِيَم المواطنة ويعتاد ممارسة الحياة الديمقراطية.

الأكثر قراءة