خاص "الجمهورية"- ليلة سقوط الكبار وانفجار الملكي: "زلزال" في دوري الأبطال
Wednesday, 21-Jan-2026 18:27

لم تكن الجولة الأخيرة من دوري أبطال أوروبا مجرد محطة عابرة في تقويم القارة العجوز، بل جاءت بمثابة "هزة أرضية" فنية أعادت رسم خارطة التوقعات للعام 2026. فبينما كان الجميع ينتظر صراعاً محتدماً بين الأقطاب، انفرد ريال مدريد بالمشهد وحده، تاركاً خلفه حطام طموحات أندية كانت تُصنف حتى الأمس القريب كمرشحة فوق العادة للقب، وسط ذهول من نتائج لم تكن في الحسبان.

الإعصار الأبيض

في مدريد، لم يكن موناكو خصماً بقدر ما كان "ضحية" لنسخة مرعبة من ريال مدريد. النتيجة الثقيلة التي انتهت بـ (6 - 0) لصالح الميرنغي ليست مجرد رقم، بل هي تجسيد لحالة من النضج التكتيكي والبدني. الملكي لم يكتفِ بالتسجيل، بل قدم درساً في "الضغط العالي" واستعادة الكرة في زمن قياسي، حيث أمطر شباك النادي الفرنسي بسداسية نظيفة تقاسمها نجومه ببراعة. التحليل الفني للمباراة يظهر أن الريال لعب بخطوط متقاربة جداً، مما شلّ حركة وسط ميدان موناكو تماماً. الاستنتاج الأهم هنا هو أن ريال مدريد نجح في دمج مهارات نجومه الفردية ضمن منظومة جماعية صلبة، وهو ما يجعله اليوم "البعبع" الذي تخشاه كافة الأندية الأوروبية في الأدوار الإقصائية.

تميز الأرسنال

انتهت مواجهة آرسنال وإنتر ميلان بفوز آرسنال 3–1، في مباراة عكست الفارق في الجاهزية الذهنية وإدارة التفاصيل. آرسنال دخل اللقاء بثقة فريق يعرف ما يريد: ضغط منظم، سرعة في التحول، واستثمار مبكر للمساحات خلف دفاع إنتر. الهدف المبكر فرض إيقاعًا إنكليزيًا صعبًا على أصحاب الأرض، الذين احتاجوا وقتًا طويلًا للدخول في أجواء المباراة.
إنتر ردّ لفترة قصيرة وأظهر قدرة على التدرج بالكرة، لكنه افتقد للحدة في الثلث الأخير، وظهر هشًا عند فقدانها. المشكلة لم تكن في الاستحواذ بل في التوازن الدفاعي، حيث عوقب الفريق كلما اندفع للأمام بلا غطاء كافٍ.
في المقابل، أظهر آرسنال نضجًا أوروبيًا واضحًا: هدوء بعد التعادل، قراءة جيدة لمجريات اللعب، وفعالية عالية من البدلاء. الفوز لم يكن عابرًا، بل رسالة بأن الفريق بات قادرًا على فرض شخصيته خارج ملعبه، فيما على إنتر إعادة تقييم خياراته التكتيكية إذا أراد الذهاب بعيدًا أوروبيًا.

سيتي وباريس تحت المقصلة

على المقلب الآخر، مثّل سقوط مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان الصدمة الأكبر لهذه الجولة. في مانشستر، بدا واضحاً أن أفكار غوارديولا بدأت تصطدم بجدار من "التوقع" من قبل الخصوم؛ حيث لم تعد سيطرة الاستحواذ كافية لفك شفرات الدفاعات المنظمة. الهزيمة المفاجئة للسيتي التي جاءت بنتيجة (1 - 2) أمام خصم اعتبره المحللون "الحصان الأسود"، كشفت عن ثغرات قاتلة في التحول الدفاعي.
أما في باريس، فإن الهزيمة بنتيجة (0 - 2) وضعت مشروع النادي برمته تحت المجهر. الفريق الذي أُنفق عليه المليارات ظهر "بلا روح" وبلا قدرة على رد الفعل عند التأخر، ليفشل في تسجيل أي هدف أمام جماهيره. الاستنتاج هنا هو أن التخمة في النجوم داخل تشكيلة باريس بدأت تتحول إلى عبء تكتيكي، حيث يغيب الالتزام الدفاعي للمهاجمين، مما يترك الفريق مكشوفاً أمام المرتدات السريعة.

توقعات المرحلة المقبلة: خارطة طريق جديدة

بناءً على هذه المعطيات، يتوقع أن تشهد الأدوار المقبلة تغييراً جذرياً في الاستراتيجيات؛ فالأندية الكبرى التي تعثرت ستدخل سوق الانتقالات الشتوية "بشراسة" لترميم صفوفها. ومن المتوقع أن يكون ريال مدريد هو المعيار الذي ستقيس عليه بقية الفرق قوتها. استشرافاً للمستقبل، إذا لم ينجح غوارديولا في ابتكار مرونة تكتيكية جديدة، فقد نرى خروجاً مبكراً للسيتي ينهي حقبة كاملة. في المقابل، يلوح في الأفق "حصان أسود" قد يستغل تشتت تركيز باريس وسيتي لشق طريقه نحو المربع الذهبي، مما يجعل هذه النسخة من البطولة الأكثر غموضاً وإثارة منذ سنوات.

كيليان مبابي: "الوحش" الذي التهم أحلام الفرنسيين

في ليلة السداسية التاريخية بنتيجة (6 - 0)، لم يكن كيليان مبابي مجرد مهاجم يسجل الأهداف، بل كان "المهندس" الذي أدار الهجوم المدريدي ببراعة استثنائية، حيث وقع بنفسه على "هاتريك" تاريخي (ثلاثة أهداف) من أصل الستة.

التحليل الفني للأداء

أظهر مبابي تطوراً مذهلاً في اللعب "خارج الصندوق"، حيث لم يعد ينتظر الكرات الطويلة، بل بات يشارك في عملية البناء ويخلق المساحات لزملائه. سرعته الانفجارية التي وصلت إلى 36 كم/ساعة خلال اللقاء جعلت مراقبته أمراً مستحيلاً على مدافعي موناكو.

الشخصية والقيادة

برز مبابي كقائد حقيقي فوق الميدان، حيث تخلص تماماً من الضغوط الإعلامية. هو الآن يمر بمرحلة "النضج الكامل"، حيث يجمع بين المهارة الفطرية والهدوء القاتل أمام المرمى.
الخلاصة: مبابي 2026 هو النسخة الأكثر رعباً في مسيرته؛ فهو لا يلعب ليثبت أنه الأفضل، بل يلعب ليحصد الألقاب. إذا استمر بهذا المستوى، فإن الكرة الذهبية المقبلة محجوزة له في "البرنابيو" دون أدنى شك.

الأكثر قراءة