مقصلة «الرايتنغ»: أسرار غرفة سوداء تُنهي حياة نجوم تركيا بكبسة زر
نتالي كوروغلو
Wednesday, 21-Jan-2026 06:22

بينما تغرق في نوبة بكاء مع بطلتك المفضّلة، أو تحبس أنفاسك بانتظار مواجهة حاسمة في حلقة "الجمعة" من مسلسلك التركي الجديد، يباغتك خبر كالصاعقة على هاتفك: "تقرّر إنهاء المسلسل عند الحلقة القادمة بسبب تدنّي نِسَب المشاهدة". تشعر بالظلم، تصرخ في وجه الشاشة: "لكنّه يتصدّر الـ"ترند" في بيروت! الجميع يتحدّث عنه في القاهرة!".

الحقيقة القاسية التي يجب أن تدركها هي أنّ نجاح المسلسل في «تويتر» أو «تيك توك» العرب لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به في حسابات القنوات التركية. القرار الحقيقي يصدر من بيوت بسيطة في قرى الأناضول، حيث يقبع «الحاكم بأمره»: جهاز الرايتنغ (Rating).

 

لغز الـ 4000 صندوق: مَن يملك القرار؟

تعتمد صناعة الدراما في تركيا على نظام إحصائي صارم تديره شركة (TNS). تُوزَّع أجهزة إلكترونية صغيرة على حوالى 4000 إلى 4500 منزل فقط، اختيرت لتمثل «عينات» من المجتمع التركي. هؤلاء الأشخاص هم «هيئة المحلّفين» التي تقرّر مصير ملايين الدولارات.

 

المعضلة الكبرى تكمن في تصنيف هذه العينات. تنقسم إلى فئتَين رئيسيتَين:

 

1 - فئة (AB): وهم المثقفون، سكان المدن الكبرى، وأصحاب الدخل المرتفع. هؤلاء يَميلون إلى القصص النفسية، الغموض، والدراما العصرية.

2 - فئة (Total): وهي الفئة الأكبر والأكثر تأثيراً، وتضمّ سكان الأرياف والطبقات الشعبية. هؤلاء يميلون غالباً لقصص الثأر، الآغا، والدراما العائلية التقليدية.

 

إذا صفّق المشاهد في بيروت لمسلسل فلسفي معقّد، بينما قرّرت «عمة خديجة» في قرية نائية بمدينة «ريزا» تغيير القناة لمشاهدة برنامج طبخ، فإنّ المسلسل يسقط في الهاوية فوراً.

 

ديكتاتورية المعلن: «البقاء للأقوى إحصائياً»

 

القنوات التركية ليست جمعيات خيرية؛ هي منصات إعلانية. وبما أنّ المعلِن التركي يدفع مقابل المشاهد المحلي لا العربي، فإنّ القناة «تعدم» العمل الذي لا يحقق أرقاماً في فئة (Total) بلا رحمة، حتى لو كان المسلسل قد بيع لأكثر من 100 دولة. هذا «الفصام الإنتاجي» جعل المنتجين اليوم في حيرة: هل يصنعون عملاً بجودة عالمية يرضي المنصات مثل «نتفليكس» والجمهور العربي، أم يرضخون لطلبات «الرايتنغ» المحلي ويحشون الحلقات بمشاهد الصراخ والعنف لجذب فئة الـ (Total)؟

 

المُشاهد العربي... الغائب الحاضر

المفارقة الساخرة هي أنّ الدراما التركية باتت تعيش بفضل الأموال العربية والعالمية، لكنّ قراراتها الفنية ما زالت «محلية» بامتياز. نحن نشاهد، نتفاعل، ونشتري بضائع النجوم، لكنّنا لا نملك «صوتاً انتخابياً» في أجهزة الإحصاء التركية.

 

هذا النظام خلق ما يشبه «المافيا» غير المرئية؛ إذ يضطر الكُتّاب لتغيير السيناريو فجأة، أو إنهاء قصة حُبّ ناجحة، أو إقحام شخصية شريرة بلا مبرّر، فقط لتحريك مؤشر الرايتنغ في صباح اليوم التالي.

 

خاتمة من كواليس «المقصلة»

في المرّة المقبلة التي تفتح فيها شاشتك لمتابعة عمل تركي، تذكّر أنّك لست وحدك مَن يراقب؛ هناك فلّاح تركي في أطراف «الأناضول» يمسك بالريموت كنترول، وهو وحده مَن يملك حق الإبقاء على بطلك حياً... أو إرساله إلى «مقبرة المسلسلات» بكبسة زر واحدة.

الأكثر قراءة