لم يعُد التوصيف بالأحادية الذي ناله الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعني شيئاً، بعدما تجاوزته الأحداث المتلاحقة بعد دخوله البيت الأبيض. وهي عملية تراكمية بلغت ذروتها في الأشهر الأخيرة وصولاً إلى «عملية الدلتا» في كاراكس، قبل أن يُكمل سنته الأولى اليوم. وإن توجّهت الأنظار إلى أحداث الشرق الأوسط، تظهر قرينة جديدة تتمثل بتجاوزه مواقف حلفائه، ليؤكّد أولوية الحصاد الشخصي لإنجازاته على أنقاض المشاريع الأخرى بما فيها الإسرائيلية والتركية والإيرانية.
لا يمكن لأي مرجع ديبلوماسي وسياسي أن يتنكّر لحجم الخلافات الأميركية - الإسرائيلية حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، على رغم من الدعم غير المحدود الذي نالته إسرائيل في أكثر من محطة عسكرية وسياسية وديبلوماسية. فالتجارب التي شهدتها الأشهر الأخيرة قدّمت أكثر من نموذج يتعدّى ما يمكن احتسابه «توزيع الأدوار» بين القوّة العظمى ووكيلتها الإقليمية التي نجحت في استدراجها إلى أكثر من مواجهة التزمت فيها بالدعم المطلق، وصولاً إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المشتركة.
على هذه الخلفيات، توسّعت الدوائر الديبلوماسية والسياسية المراقبة في تفسيرها لشكل العلاقات القائمة بين واشنطن وتل أبيب، فوجدت نماذج من الخلافات في محطات عدة من تاريخ العلاقات بينهما، يمكن التوقف عند بعضها الذي توزّعت فيه الأدوار بين القوّتَين الأميركيّتَين من الحزبَين الجمهوري والديموقراطي، إن كان أحدهما موجوداً في البيت الأبيض من جهة، وما بين حزبَي «الليكود» و»العمل» الإسرائيليَّين عندما كان أي منهما في السلطة.
ولئلّا يغرق البعض في بحور الماضي، فإنّ التوقف عند أي جردة لأحداث المنطقة في السنة الأولى من ولاية ترامب الثانية، يمكن أن يُشير إلى بعضها على سبيل المثال. وإن تقدّمت طريقة تعاطيه مع الأزمة السورية على ما عداها، فقد أظهر أنّه يسعى إلى وحدة سوريا، في مواجهة الراغبين بالإحتفاظ بحصصهم في «ولايات سورية غير متحدّة»، وسارع إلى ممارسة أقصى الضغوط لإنهاء دور القوّة الكردية المتمرّدة على السلطة الجديدة. وهو ما عُدَّ نموذجاً شمالياً يمكن أن يتكرّر مع «دروز السويداء» لإنهاء الصيغة القائمة في الجنوب. على رغم من الملاحظات التركية والإسرائيلية بعد انتفاء أي دور للقوى الأخرى، مثل إيران وأذرعها من الفصائل العراقية واللبنانية.
وإلى هذه التجربة، ظهرت إلى سطح الأحداث طريقة تعاطي ترامب مع بداية المرحلة الثانية من خطته الخاصة بغزة، فسارع إلى تشكيل المؤسسات الخاصة بالإدارة الجديدة للقطاع، بدءاً بالإعلان عمّا يُسمّى «مجلس السلام»، بعدما طلب انضمام الرئيسين المصري والتركي وأمير قطر وملك الأردن وولي العهد السعودي. بالإضافة إلى ممثلين لدول إسلامية أخرى كباكستان وإندونيسيا بعد الأرجنتين وكندا وبريطانيا وغيرها. وهو ما أدّى إلى شبه «انتفاضة» إسرائيلية تَقَدّمها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعدد من وزرائه الذين طالبوا بإعادة احتلال القطاع، ورفض «الأسماء المقترحة من أعداء إسرائيل»، معتبرين أنّ ما جرى يُعدّ «تجاوزاً للخطوط الحمر». كما بالنسبة إلى اللجنة التنفيذية المنبثقة منه لإدارة القطاع والهيئة الفلسطينية المستقلة التي يرأسها نائب أحد وزراء السلطة الفلسطينية الدكتور علي شعت، إلى جانب قائد القوّة الأمنية المكلّفة أمن معبر رفح من أحد ضباط حرس الرئيس الفلسطيني في رام الله. وفي الوقت الذي طالب وزير إسرائيلي بإلغاء «مركز التنسيق العسكري - المدني» في مستوطنة «كريات غات»، عُيِّن الجنرال جاسبر جيفرز من قيادة المنطقة الوسطى الأميركية قائداً لـ «قوّة الإستقرار الدولية» في القطاع، وهو الذي شغل سابقاً منصب رئيس لجنة «الميكانيزم» في لبنان.
ولما كشف بأنّ نظام تشكيل «مجلس السلام» قال بارتباط مصير أي عضو فيه بقرار أحادي من ترامب، على رغم من تجاوز ولايته مدّة بقائه في البيت الأبيض، فقد ظهر واضحاً أنّه قرّر الإحتفاظ بحصة الأسد من إنجازاته في غزة والدول المحيطة بالدولة العبرية، متجاوزاً الدور العسكري لتل أبيب في كل ما حصل فيها من متغيّرات وصولاً إلى ولادة شرق أوسط جديد، قبل أن ينتقل إلى مرحلة لاحقة لا بُدّ منها لتوزيع ما يتبقّى من «فتات المغانم» على حلفائه.
وختاماً، لا بُدّ من انتظار الأحداث المرتقبة في الأسابيع المقبلة، لمعرفة موقع لبنان من ضمن التركيبة الجديدة للمنطقة. وهو ما يؤدّي إلى لفت النظر إلى أنّ الترتيبات اتُخِذت لاستقبال قائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشنطن عشية الموعد المحدّد للإعلان عن قرار الجيش بشأن المرحلة الثانية من عملية «حصر السلاح» ما بين نهرَي الليطاني والأولي، وقبل 10 أيام على اللقاء المرتقب لـ «الميكانيزم» بوجهَيها العسكري والمدني، وقبل شهر على موعد المؤتمر الخاص بدعم الجيش والقوى الأمنية في باريس. وكلّها مواعيد دقيقة وحسّاسة، تدفع المراقبين إلى رصدها بالدقة والحساسية عينها، لمعرفة حصة لبنان ممّا يجري في المنطقة ونصيبه من المتغيّرات المتوقعة.