إمبراطورية «الآغا» والبارود: لماذا يسكن المشاهد العربي في «حفرة» الدراما التركية؟
نتالي كوروغلو
Tuesday, 20-Jan-2026 07:30

إسطنبول «الجمهورية»__________

 

بين ليلة وضحاها، تحوّلت أسماء مثل «ياماش كوشوفالي» و»شاكر بيلي» إلى أيقونات تتصدّر أحاديث المقاهي في بيروت والقاهرة وبغداد. ولم تعُد قصص الحُب الحالمة و»الفيلا» المطلّة على البوسفور هي المحرّك الوحيد لريموت كنترول المشاهد العربي؛ فقد سحب البساط نوعٌ آخر من الدراما، أكثر قسوة وعنفاً، حيث تسود لغة الرصاص، وتُحكِم القبيلة قبضتها على مصائر الأفراد. فما الذي يجذب المشاهد العربي، الذي يئنّ أصلاً تحت وطأة أخبار الحروب والأزمات، ليشاهد صراعات «المافيا» والعشائر التركية لساعات طويلة؟

سيكولوجيا «البطل المخلص» والعدالة المفقودة

يرى علماء النفس أنّ الإنجذاب العربي لمسلسلات مثل «الحفرة» (Çukur) أو «قطّاع الطرق لن يحكموا العالم»، يتجاوز مجرّد الاستمتاع بالأكشن. نحن أمام مُشاهد يبحث عن «العدالة البديلة». في ظل غياب سيادة القانون في كثير من المجتمعات، يجد المشاهد تعويضاً نفسياً في شخصية «الآغا» أو «زعيم المافيا» الذي يُطبّق قانوناً صارماً يحمي «أهل منطقته» ويؤمّن لهم الأمان المفقود.

 

تعتمد هذه المسلسلات على مفهوم «العائلة» المقدسة. جملة «العائلة هي كل شيء» التي ردّدها أبطال «الحفرة»، لم تكن مجرّد شعار، بل لمست وتراً حساساً لدى الجمهور العربي الذي يقدّس الروابط القبلية والعائلية. هنا، يتماهى المشاهد مع البطل ليس كـ«مجرم»، بل كـ «حامٍ للديار»، وهي صورة نمطية مغروسة في الوجدان الشعبي العربي منذ أيام «عنترة» وصولاً إلى «قبضايات» الحارات القديمة.

 

بين الواقع التركي والخيال التجاري

السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل تعكس هذه الصراعات الدموية واقع المجتمع التركي اليوم؟

 

الحقيقة تقع في منطقة رمادية. تاريخياً، عرفت تركيا في تسعينات القرن الماضي صراعات مريرة بين «الدولة العميقة» وعصابات المافيا، وهو ما تستلهمه الدراما، وتُضيف عليه بهارات الخيال. لكن، كما يؤكّد نُقاد أتراك، فإنّ صورة «الآغا» الذي يتحكّم في قرية كاملة أو «القبيلة» التي تخوض حروب شوارع في قلب إسطنبول، هي صورة مضخّمة درامياً لأغراض «البزنس».

 

لقد اكتشف المنتجون الأتراك «الخلطة السحرية»: الرجولة الفائضة + الوفاء المطلق + الموسيقى التصويرية الملحمية. هذه الثلاثية تضمن بيع المسلسل لأكثر من 100 دولة، وتحقق أرقاماً خيالية في منصات العرض، ممّا يجعل «العنف» سلعة تجارية رابحة بامتياز، حتى وإن شُوِّهت صورة المجتمع المدني الحديث في تركيا.

 

تأثير «العدوى» على الدراما العربية

لم يقف المنتج العربي متفرجاً. وبما أنّ «الجمهور عايز كده»، شهدنا موجة من الدراما العربية المشتركة (اللبنانية - السورية خصوصاً) التي استنسخت روح هذه الأعمال. فظهرت مسلسلات «الهيبة» وغيرها، التي استلهمت كاريزما «البطل الخارج عن القانون» وسلطة العشيرة، محققةً نجاحاً ساحقاً، ممّا يؤكّد أنّ «العطش» لهذه النوعية من القصص عابر للحدود.

 

كلمة أخيرة... هل هو مجرّد ترفيه؟

الخوف الحقيقي لا يكمن في مشاهدة هذه المسلسلات، بل في «تطبيع» العنف وجعله قدوة للشباب. إنّ تحويل «رجل العصابة» إلى بطل شعبي يرتدي أجمل الثياب ويقود أفخم السيارات، يغسل الأدمغة تدريجاً، ويجعل من الرصاصة أسرع وسيلة لنيل الحقوق.

 

بين واقع تركي يحاول التخلّص من إرث المافيا، وواقع عربي يبحث عن أمان مفقود، تبقى هذه المسلسلات مرآة تعكس انكساراتنا بقدر ما تعكس رغبتنا في القوّة. وغداً، حين يُسدَل الستار، سيبقى السؤال: هل نبحث في «الحفرة» عن مخرج، أم أنّنا غرقنا فيها تماماً؟

الأكثر قراءة