حين يكونُ الموقفُ نصرةً للإنسان
غازي منير قانصو

عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي

Tuesday, 20-Jan-2026 07:23

نقف مع الإنسان، لا بوصفه رقمًا عابرًا في ازدحام الحياة، ولا مجرد عنصر هامشي في معادلات القوة والمصالح، بل ككائنٍ مكرَّم في أصله، نُفِخ فيه من روح الله، وحُمِّل أمانة الوعي والاختيار والمسؤولية. فالإنسان ليس مجرد جسم أو عنوان؛ إنّه كيان يحمل شرفًا داخليًا وضميرًا حيًا ووعيًا مسؤولًا، يؤهّله لاختيار موقفه الأخلاقي في مواجهة تحدّيات الحياة.

الإنسان في أصلهِ الكريم:

نقف معه حين يختار كرامته ووعيه، لا لأنّ الطريق ميسور، بل لأنّ الكرامة لا تُؤجَّل، ولا تُقايض بمكاسب زائلة، ولا تُختزل في شروط الواقع الضاغط. فالإنسان، حين يصون ما أودعه الله فيه من قيمة ذاتية وشرف أصيل، ينحاز إلى جوهره الحقيقي، ويتماهى مع الغاية التي خُلق لأجلها.

 

الاصطفاف مع الخير:

نقف مع الخير، لا لأنّ الشرّ غائب أو ضعيف، بل لأنّ الخير، وإن بدا أحيانًا وحيدًا في عالمٍ صاخب بالمصالح، هو القوة الوحيدة القادرة على إنقاذ الإنسان من الانكسارات الداخلية ومن تآكل المعنى في ذاته.

 

نقف مع الحق والخير والعدل، ونرفض الكفران، لأنّه أول ما يهدم الثقة، وآخر ما يترك أثرًا نقيًا في الذاكرة الفردية والجماعية. فالوفاء ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية تحمي الروح من التآكل، وتضمن استدامة المعنى الإنساني في عالم تتسع فيه فجوة الانحراف بين القيم والممارسة.

 

العيش الكريم كحق إنساني:

نؤمن بالعيش الكريم، لا باعتباره امتيازًا أو رفاهية، بل حقًا أصيلًا لا يُستبدل بذلٍّ لا يرفع مظلمة، ولا يُبرّر خضوعًا، ولا يداوي جرحًا. فالذلّ، مهما تنكّر بلغة الواقع أو المصالح، لا يصنع سلامًا حقيقيًا، ولا يؤسس مستقبلًا مستقرًا، بل يراكم الهزيمة في الداخل، حتى تتآكل القدرة على المقاومة والوقوف بثبات.

 

الموقف الإنساني الحقيقي:

الاصطفاف الحقيقي مع الإنسان يعني الانحياز لما يرفع الإنسان لا لما يُسقطه، لما يحفظ كرامته، لا لما يستنزفها، لما يعلي روحه وضميره، لا لما يحقّرها أو يقيّدها. إنّه موقف داخلي، واضح، موضوعي، مستقل عن المصالح العابرة، مستقيم مع الذات والقيم، لا يركن إلى الصراعات العابرة أو الأهواء العابرة.

النصرة الحقيقية ليست غلبةً على الآخرين، بل انتصار للذات، وحفظ للإنسان من التآكل، واعتراف بأنّ الكرامة الإنسانية ليست قابلة للتجزئة أو للمساومة.

 

الله والعدل الأبدي:

وعلى الباغي تدور الدوائر، وإن طال أمدُه أو زُيّنَ لَهُ بالسطوة العاجلة، فالعدل حتمي، آتٍ، والحقّ قائم. ﴿إنّ اللهَ يدافعُ عن الذين آمنوا، إنّ اللهَ لا يحبّ كلَّ خوّانٍ كفور﴾.

النصرة الإلهية قائمة، والخير، مهما بدت سلطته ضعيفة أو غائبة، له أثر أبدي في النفوس وفي مسار الحياة. فالله يرى ما تُخفيه القلوب، ويعلم كل ألم، وكل تآمر، وكل انتهاك، ويكافئ الصادقين بالنصرة الحقيقية، التي تبدأ من الداخل، وتستمر لتشمل العالم بأسره.

 

الانتصار للذات الإنسانية:

حين يختار الإنسان موقفه بناءً على هذا الوعي، يكون قد انتصر لنفسه، ولإنسانيته، ولجوهر خلقه. فلا قيمة للانتصارات الظاهرية التي تهدم القيم، ولا لمعركة تُربح على حساب الذات، بل الانتصار الحقيقي هو الذي يُعلي من شأن الإنسان ويصونه، ويُبقي ضميره حيًا، وروحه صافية، ومواقفه متسقة مع ذاته وفطرته.

إنّه النصر الذي لا يزول، والذي لا تملك الأيام أن تنتزع منه صوابه وحقه.

 

نُصرةُ الإنسان كنهج حياة

حين يكون الموقف نصرةً للإنسان، يتحوّل كل فعل، وكل خيار، وكل موقف، إلى شهادة حيّة على قوة الروح، وعمق القيم، وجمال الانتصار على الذات قبل الانتصار على أي عامل خارجي. فالنصرة ليست مجرد فعل، بل موقف، ونهج حياة، ومسار عقل وفكر وقلب، يرفع الإنسان فوق كل الانكسارات ويصونه من الذلّ والانحدار، ويؤكّد أنّ الحرّية، والكرامة، والحق، والوفاء، والعيش الكريم ليست مجرد شعارات، بل أفعال ملموسة تصنع إنسانية حقيقية، ووجودًا متكاملًا، وقيمة باقية في كل زمان ومكان.

الأكثر قراءة