ليست لقاءات الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان مع المسؤولين والقيادات السياسية اللبنانية مجرّد نشاط ديبلوماسي دوري، بل هي تعبير واضح عن انتقال المملكة العربية السعودية إلى موقع الفاعل القيادي والمرجعي في مقاربة الملف اللبناني، ضمن إطار اللجنة الخماسية العربية ـ الدولية. فحراك الرياض الراهن يتقدّم بخطوات ثابتة لمعالجة الأزمة اللبنانية، واضعًا معايير جديدة للتعامل مع الداخل اللبناني وامتداداته الإقليمية.
تأتي لقاءات الموفد السعودي اللبنانية هذه المرّة في لحظة مفصلية، يتداخل فيها المسار الداخلي اللبناني مع مسارات إقليمية معقّدة، أبرزها إدارة النزاع مع إسرائيل وإعادة تثبيت قواعد الاستقرار في جنوب لبنان. غير أنّ أهمية هذه اللقاءات لا تنبع فقط من مضمونها المباشر، بل من موقعها داخل إطار أوسع هو اللجنة الخماسية العربية ـ الدولية، التي باتت تشكّل المرجعية الأساسية لمقاربة الملف اللبناني.
يشير تحرّك الأمير بن فرحان إلى أنّ الرياض بدأت تؤدي دور الضابط السياسي لا الوسيط الظرفي، إذ يتميّز دورها داخل اللجنة الخماسية بطابعه الاستراتيجي الطويل النَفَس. فالمملكة لا تتعاطى مع لبنان كملف أزمات متلاحقة، بل كاختبار لنموذج الدولة في المشرق العربي. من هنا، تركّز على ربط الاستقرار الأمني بالإصلاح السياسي والمؤسساتي وتعزيز موقع الدولة اللبنانية، لا إدارة التوازنات على حسابها والامتناع عن تقديم دعم غير مشروط أو رعاية تسويات هشة.
وتعكس المروحة الواسعة للقاءات الموفد السعودي هذا التوجّه، إذ تأتي كعملية تقييم دقيقة للأداء السياسي اللبناني، ومدى قدرة السلطة على تحويل اكتمال عقد المؤسسات اللبنانية إلى مسار فعلي لإعادة بناء الثقة العربية والدولية.
في حين انّ الولايات المتحدة الأميركية تهتم بأولوية الأمن ومنع توسّع النزاع (على حدّ ما تعلن). إذ يركّز دورها داخل اللجنة الخماسية على البعد الأمني بالدرجة الأولى، وخصوصاً في ما يتعلق بمنع توسّع النزاع بين لبنان وإسرائيل. وهي تنظر إلى لبنان من زاوية احتواء الجبهة الجنوبية ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية وضمان استمرارية آليات الردع وضبط الحدود ودعم الجيش اللبناني كأداة استقرار، من دون الغوص العميق في تفاصيل الإصلاح السياسي.
وبينما تلتقي المقاربة الأميركية مع السعودية على هدف الاستقرار، إلّا أنّها تختلف عنها في كونها أقل تشدّدًا في ربط الدعم بالإصلاحات البنيوية.
اما فرنسا، فهاجسها هو التسوية السياسية السريعة. فهي تسعى تقليدياً إلى لعب دور الوسيط السياسي، مع ميل واضح إلى البحث عن تسويات سريعة قابلة للتسويق دولياً. ولذلك تركّز على الحفاظ على نفوذها التاريخي في لبنان، وإنتاج تسويات سياسية تضمن الحدّ الأدنى من انتظام المؤسسات والفصل النسبي بين المسار السياسي الداخلي والمسار الإقليمي. غير أنّ هذا النهج غالباً ما يصطدم بالمقاربة السعودية، التي ترى أنّ أي تسوية لا تستند إلى إصلاح فعلي ستعيد إنتاج الأزمة نفسها، ولو بوجوه مختلفة.
من جهتها، مصر تركّز على استقرار الدولة ومنع التفكك، ولذا يلتقي دورها إلى حدّ بعيد مع الرؤية السعودية، خصوصاً لجهة التشديد على مركزية الدولة ورفض الفوضى. وهي تنطلق من مقاربة حذرة تقوم على دعم المؤسسات الشرعية، ولا سيما منها الجيش، وتجنّب الانخراط في تفاصيل الخلافات الداخلية، واعتبار استقرار لبنان جزءًا من استقرار النظام الإقليمي العربي. إلاّ أنّ الدور المصري يبقى أقل اندفاعاً سياسياً، وأكثر ميلاً إلى العمل خلف الكواليس.
في حين أنّ قطر تؤدي داخل اللجنة الخماسية دور الوسيط المرن القادر على التواصل مع أطراف متناقضة، وتمتاز مقاربتها بالتركيز على تسهيل التفاهمات المرحلية والاستعداد لتقديم دعم مالي أو لوجستي عند توافر تسوية، وكذلك العمل على تخفيف التوترات بدل معالجتها جذرياً.
غير أنّ هذا الدور، على رغم من فعاليته التكتيكية، يبقى محدود الأثر ما لم يندرج ضمن رؤية أوسع، وهو ما تحاول السعودية توفيره عبر ضبط إيقاع التسويات وربطها بمسار الدولة.
على انّ ما يميّز حراك الرياض الراهن وسط هذه الأدوار المتقاطعة، أنّه يبرز الدور السعودي بصفته العمود الفقري السياسي للجنة الخماسية في الملف اللبناني. فالمملكة تربط بين الجنوب وبيروت، وبين الأمن والإصلاح، وترفض الفصل بين الشق الداخلي والشق الإقليمي، وتتعامل مع لبنان كمسؤول عن خياراته، لا كضحية دائمة للظروف.
ولذلك، تعكس لقاءات الأمير بن فرحان تحوّل السعودية إلى شريك فاعل في إدارة المرحلة اللبنانية، لا كراعٍ تقليدي للتسويات، بل كضابط إيقاع داخل اللجنة الخماسية. وفي وقت تتوزع أدوار شركائها في اللجنة الخماسية بين الأمني، والتوسطي، والبراغماتي، تحاول السعودية ترسيخ مقاربة تقوم على المعادلة الآتية: لا استقرار دائماً بلا دولة، ولا دعم بلا قرار سياسي، ولا تسويات قابلة للحياة بلا أفق إصلاحي وسيادي حقيقي وعملي.