الرئيس عون والشاعر «لافونتين»
جوزف الهاشم
Friday, 16-Jan-2026 07:49

الصحافي في السلطة الرابعة بمثابة المدّعي العام، وغالباً ما يعتبرُ الحاكمَ متَّهماً حتى تثبُتَ براءتُه، ولأنّ الحكام نادراً ما يعدِلون، فإنَّ قلمَ الصحافي نادراً ما يمدح.

منذ أن بدأت ملامح انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة في لبنان، كتبتُ مقالاً دعوتُ فيه إلى انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً، خلافاً للتوقعات التي كانت راجحة آنذاك.

 

وفي اعتقادي، أنَّ فداحةَ الفساد والإنهيار التي طبعتْ الحكم الذي قبلَهُ، تستوجبُ بعده حكماً يتحلّى بمستوىً عالٍ من النزاهة والإستقامة والحزم، ويتخلّق بمسؤولية مترفّعة عن التزلّف والإنزلاق في شهوات النفس وأهوائها.

يومها، كما قلت: لمْ أكنْ أعرف العماد جوزاف عون، ولم يكن يجمعني به إلّا التشابُه بالإسم الأول.

 

في إطلالتهِ التلفزيونية بعد عام من تولّيهِ زمام الحكم، لن أتوقّف حيال ما أورَدَ من إنجازات وما توقّع من إصلاحات، فالطريق لا يزال طويلاً وهو محفوفٌ بمزالق الصعود والهبوط.

 

ما لفتني في إطلالة الرئيس عون هو أنّه يكاد يكون الوحيد الذي يُلزم نفسَهُ علانيةً بواسطة شاشات التلفزة بأنّه لا يُريد شيئاً لنفسه: لا مكاسب سياسية ولا ثروة مالية ولا كتلة برلمانية، ولا ذاك الحُلم الذهبي الرئاسي الذي اسمه التمديد والتجديد، والذي راود كلّ رؤساء الجمهورية منذ الإستقلال حتى اليوم.

 

معظم الذين مارسوا مسؤولية الحكم، كان مفهومهم للعمل السياسي هو تحقيق المكاسب وفق قاعدة: السلطة والنفوذ والمال، فإذا الكرسي من موروثات القصور، تنتقل بالوراثة إلى أهل البيت وغالباً ما ينعمُ بها الصهر.

 

الرئيس عون (جوزاف) يأبى أنْ تستدرجَهُ أفاعي الفردوس إلى إغراءاتها، فأعلن صراحةً أنّه لا يريد السلطة لنفسه زعامةً وألقابا عثمانية حيث الزعيم يمتطي أكتاف الأنصار، يغذيّهم من دم الخزينة الحلوب، ويهتفون لَهُ بالروح والدم نفديك.

 

وأبى أكثر، أن ينطبق عليه الشعار الذليل الكافر: «الله ولبنان وعون» ليكون صنمّاً وثنّياً من آلهة اللحم.

 

ما لفتني أيضاً في إطلالة الرئيس، تلك القفزة البارعة فوق الساحة المدجّجة بالألغام، فهو يفضّل أن يشنَّ حرباً على الحرب وليس على المحاربين، وهي تلك الحكمة التي عَبّر عنها الفلاسفة في نظرتهم إلى محاربة الشرّ، لا محاربة الشرير، لأنّه ماذا ينفع لو تمَّتْ محاربة الشرير وبقي الشرّ.

 

إنّها المعادلة التي تتكرّر على لسان الرئيس: بين قوّة الحق وحق القوّة، وهي التي تتكرّر على لسان التاريخ مقتبسةً من رواية الأمير للشاعر الفرنسي «لافونتين»، حيث التوازن بين القوّة والحكمة.

هذه الطوباوية السلطوية التي قلّما شهدها قصرٌ في لبنان وسائر بلاطات القصور، لا نحتاج إلى اختصاصي في لغة الجسد لنعرف ما إذا كان الرئيس صادقاً في التزامه، مع أنّ هناك دلائل واضحة في الوجه مثلما تكشف علامةَ الخبث تكشف إيضاً علامة الصدق.

 

سنواتٌ خمس وتمضي.

والذين يبقون عند ربّهم يرزقون يشهدون على التزامات الرئيس وإنجازاته، وما إذا كان سينتقل مرتاح الضمير من كرسي القصر المزخرف بالحرير إلى قريته المتواضعة في الجنوب، مجلّلاً بما هو أعظم وأبقى من السلطة والنفوذ والمال، حين يكتب التاريخ اسم الرئيس الذي لا يريد شيئاً لنفسه.

الأكثر قراءة