آثار إسرائيلية في النزعة الإنفصالية السورية
د. خالد العزّي
Thursday, 15-Jan-2026 06:44

تعمل قيادة تحالف سوريا الديمقراطية المؤيّد للأكراد، المتمثل في «قوات سوريا الديمقراطية»، على تقويض عملية الإندماج مع الحكومة الانتقالية في دمشق التي اتُفق عليها في آذار. وصرّح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأنّ القوات الكردية التي تسيطر على مناطق واسعة من شرق سوريا، لا تُظهر رغبة حقيقية في دمج هياكلها السياسية والعسكرية مع الحكومة المركزية في دمشق، وفقاً للموعد النهائي الذي حُدِّد لذلك. وفي هذا السياق، أشار فيدان أيضاً إلى أنّ «قسد» تُنسق تحرّكاتها مع إسرائيل، ممّا يعتبره عقبة خطيرة أمام التوصّل إلى حل سياسي.


جاءت هذه التصريحات بعد زيارة رسمية قام بها وفد تركي رفيع المستوى إلى دمشق، فالتقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع المسؤولين السوريِّين، معلناً: «نرى أنّ «قوات سوريا الديمقراطية» لا تنوي إحراز تقدُّم في محادثات الإندماج مع إدارة دمشق. إنّ تنسيقهم مع إسرائيل حالياً يُشكّل عائقاً رئيسياً أمام سير المفاوضات». وعلى رغم من هذه التصريحات، أعرب فيدان عن أمله في أن تتمكّن إسرائيل من التوصّل إلى اتفاق أمني مع سوريا، موضّحاً: «بدلاً من التوسع في المنطقة، يجب على إسرائيل أن تسعى إلى التفاهم مع دول المنطقة الأخرى، وهو أمر ضروري لاستقرار الوضع الإقليمي».

التصريحات السورية حول «قسد»
من جانبها، أكّدت الحكومة السورية أيضاً على موقفها تجاه «قسد». في حديثه مع فيدان، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني: «لا نرى أي رغبة حقيقية لدى «قسد» لتنفيذ الاتفاق الذي وُقِّع في آذار، ويقضي بدمج المقاتلين الأكراد في الجيش السوري النظامي بحلول نهاية هذا العام». وأشار الشيباني إلى أنّ هذا الوضع يتسبّب في معاناة كبيرة للسكّان المدنيِّين في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» شرق سوريا. وأضاف: «لقد اقترحنا حلاً إيجابياً لتسريع تنفيذ الاتفاقية الثنائية مع الأكراد، وما زالت قيد الدراسة».
بعد المحادثات بين تركيا وسوريا، تجدّدت الاشتباكات بين القوات الكردية والقوات الموالية للحكومة السورية في حلب. ووقع الهجوم في المناطق التي تشهد كثافة سكانية كردية بالقرب من نقاط التفتيش التي تؤدّي إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية. وتبادل الجانبان الاتهامات بتصعيد الموقف، فألقى قادة «قسد» باللوم على القوات الحكومية السورية. وأفاد المسؤولون بوقوع إصابات جراء هذه الاشتباكات. وعلى رغم من توصّل «قسد» ووزارة الدفاع السورية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في حلب بعد ساعات من الاشتباكات، فإنّ الوضع يبقى متوتّراً للغاية، ممّا يزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.

تركيا وحالة التباين في المواقف
بشأن «قسد»
تركيا، التي تعتبر «قسد» جزءاً من حزب العمال الكردستاني (PKK) اليساري المتطرّف، لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع المقاتلين الأكراد في سوريا. التباين في المواقف التركية حول هذا الملف أصبح أكثر وضوحاً مؤخّراً، إذ تتفاوت وجهات نظر المسؤولين الأتراك بشأن كيفية التعامل مع «قسد».
ودعا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى نهج عسكري ضدّ القوات الكردية، وهو ما يتناقض مع مواقف بعض المسؤولين الآخرين في الحكومة التركية.
على سبيل المثال، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومدير جهاز المخابرات الوطني، إبراهيم قالن، يُظهران مواقف أكثر اعتدالاً تجاه هذه القوات، ممّا يزيد من تعقيد الاستراتيجية التركية تجاه سوريا. بينما اعتبر غالب إنساريوغلو، عضو البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية ويعود لأصول كردية، تصريحات فيدان العدائية تجاه الأكراد «غير مبرّرة»، وأكّد أنّ هذه التصريحات لا تعكس الوضع الراهن في القيادة التركية. وأوضح إنساريوغلو أنّ أي شخص يخالف إرادة الرئيس قد يُجبَر على الاستقالة أو يُعزَل من منصبه. في النهاية، أصدرت قيادة حزب العدالة والتنمية توضيحات تؤكّد على أنّ الموقف التركي تجاه «قسد» ثابت وغير قابل للتغيير.
إسرائيل ومخاوفها من التقارب
السوري- الأميركي
إسرائيل، التي تسيطر على جزء من جنوب سوريا، تشعر بقلق متزايد حيال تطوّرات الوضع في سوريا، خصوصاً مع التقارب المحتمل بين الرئيس السوري أحمد الشرع والولايات المتحدة. إذ يواجه الشرع، الذي يُنظَر إليه على أنّه معتدل نسبياً مقارنةً ببقية المسؤولين السوريِّين، تحدّيات داخلية بسبب هذا التقارب. ووفقاً لتقارير استخباراتية نشرتها صحيفة «معاريف»، هناك تزايد في السخط داخل القيادة السورية من سياسات الشرع، ممّا قد يُشكّل تهديداً لنظامه. المسؤولون الإسرائيليّون يُبدون قلقهم من أنّ أي تغيير في القيادة السورية قد يؤدّي إلى صعود قوّة موالية لإيران، ممّا قد يزعزع استقرار المنطقة بشكل أكبر. من وجهة نظر إسرائيل، قد يؤدّي انقلاب محتمل في دمشق إلى زيادة النفوذ الإيراني في سوريا، ممّا يمثل تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل.

مستقبل القوات الكردية في سوريا
في ظل هذه المعطيات، من المحتمل أن تواصل القوات الكردية في سوريا مقاومتها للإندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الموحّدة، من دون الحصول على ضمانات لاستقرار الوضع السياسي. وأظهر أنصار الشرع، الذين كانوا في وقتٍ ما جزءاً من الجماعات الجهادية، عدم تسامح واضح تجاه الأقليات العرقية والدينية، ممّا يعكس تحدّيات إضافية أمام أي محاولة لدمج القوات الكردية ضمن الجيش السوري النظامي.
ومن المتوقع أن تظل هذه التوترات حاضرة في المرحلة القادمة، خصوصاً في ظل الصراع الإقليمي الذي يعكس تعقيدات أكبر من مجرّد قضية الأكراد، إذ تتشابك فيه مصالح القوى الكبرى مثل إسرائيل وتركيا وإيران، إلى جانب تعقيدات داخلية سورية تتعلّق بالقيادة المستقبلية للمجتمع السوري.

الأكثر قراءة