كيف تصنع الدبلوماسية الاقتصادية سياسة خارجية فاعلة؟
د. سهام رزق الله
أستاذة مُحاضرة في كلية العلوم الاقتصادية لجامعة القديس يوسف
Wednesday, 14-Jan-2026 07:00
أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية في العقود الأخيرة أحد الأعمدة الأساسية في العلاقات الدولية، إذ لم تعُد الدبلوماسية مقتصرة على القضايا السياسية والأمنية، بل بات البعد الاقتصادي عنصراً حاسماً في السياسات الخارجية للدول، خصوصاً في ظل العولمة وتزايد الترابط بين الاقتصادات الوطنية (Bayne & Woolcock, 2017). وبالنسبة إلى لبنان، الذي يمرّ بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، تبرز الدبلوماسية الاقتصادية كخيار استراتيجي لإعادة بناء الثقة الدولية وتحفيز التعافي الاقتصادي (World Bank, 2022). ما هي ركائز الدبلومسية الاقتصادية بالعلم النظري والتطبيق العملي؟ وأي دروس وخلاصات نستنتجها للبنان؟
كما تهدف الدبلوماسية السياسية إلى أن تكون وسيلةً للتفاوض المستمر بشأن شروط الأمن السياسي الدولي المرتبطة بخطر الحرب، فإن للدبلوماسية الاقتصادية المهمة نفسها: أن تكون وسيلةً للتفاوض بشأن شروط النظام الاقتصادي الدولي المرتبطة بخطر الحرب الاقتصادية بين الدول. إن كيفية ضمان هذا النظام الاقتصادي، في عالمٍ يتسم بتضارب المصالح بين الدول التي تفتقر إلى قائدٍ مهيمن يضمن استقرارها، هي المشكلة الأساسية التي تواجه الدبلوماسية الاقتصادية.
وقد طُرحت إجابتان ضمن هذه الرؤية. الأولى، المستمدة من أعمال الباحث الأمريكي روبرت جيلبين، ترى أنه بعد تراجع الولايات المتحدة، فإن ظهور قائد دولي جديد هو وحده الكفيل بضمان توازن النظام الدولي. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن الحرب كانت الوسيلة الوحيدة لتشكيل تسلسل هرمي للقوى بين الدول. اليوم، تم استبدال النظام الليبرالي متعدد الأطراف الذي تم تأسيسه في بريتون وودز بتحالف من القومية الاقتصادية - حيث تسعى كل دولة إلى التأثير على التقسيم الدولي للعمل لصالح أراضيها - والانسحاب الإقليمي، والحمائية القطاعية.
تتنافس الدول لجذب الأنشطة المولدة للثروة إلى أراضيها لخدمة هذه الأسواق المعولمة. هدفها الأساسي هو ضمان النظام الداخلي والتماسك الاجتماعي داخل مجتمعاتها. من جانبها، يتعين على الشركات متعددة الجنسيات التعامل مع بيئة تنافسية متزايدة، فضلاً عن القرارات السياسية للدول.
يؤدي هذا التصور للنظام الدولي إلى تعريف أوسع بكثير للدبلوماسية الاقتصادية. يمكن تمثيلها حينها بمثلث تحدده العلاقات بين الدول، كما في الحالة الأولى، وكذلك العلاقات بين الدول والشركات، والعلاقات بين الشركات نفسها. القضية الرئيسية في علاقات الدولة بالشركات هي القدرة التنافسية للأراضي والسيطرة على نشاط الشركات. فبينما تسعى الدول للاستفادة من التقسيم الدولي للعمل، بغض النظر عن الشركة التي تنتج داخل أراضيها، ترغب الشركات متعددة الجنسيات في السيطرة على عمليات إنتاجها، بغض النظر عن موقعها.
قد يؤدي هذا إلى التعاون أو الصراع إذا اختارت الشركة موقعًا مختلفًا أو إذا سعت الدولة إلى السيطرة على أنشطة الشركة (القوانين الاجتماعية والبيئية، والتزامات الأداء، وما إلى ذلك).
أولًا: مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية
تُعرَّف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها استخدام الدولة لأدواتها الدبلوماسية من أجل تحقيق أهداف اقتصادية وطنية، ولا سيما دعم التجارة الخارجية، جذب الاستثمارات، والتفاوض مع المؤسسات الاقتصادية الدولية (Rana, 2011). وقد تطوّر هذا المفهوم ليشمل التنسيق بين السياسة الخارجية والسياسات الاقتصادية الداخلية بما يخدم التنمية المستدامة (Okano-Heijmans, 2013).
ثانيًا: التحوّل العالمي نحو الدبلوماسية الاقتصادية
أدّت العولمة إلى تصاعد أهمية العامل الاقتصادي في العلاقات الدولية، حيث باتت القوة الاقتصادية أحد أبرز مؤشرات النفوذ الدولي (Woolcock, 2001). وقد نجحت دول عديدة في توظيف الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لتعزيز تنافسيتها العالمية وتحقيق النمو، من خلال تنويع الشركاء التجاريين وتحسين بيئة الأعمال (WEF, 2023).
ثالثًا: واقع الاقتصاد اللبناني
يعاني الاقتصاد اللبناني من أزمة بنيوية عميقة منذ عام 2019، تمثّلت في انهيار العملة الوطنية، وتراجع الناتج المحلي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة (ESCWA, 2020؛ World Bank, 2023). وأمام محدودية الخيارات الداخلية، بات اللجوء إلى الدبلوماسية الاقتصادية ضرورة لإعادة دمج لبنان في الاقتصاد العالمي واستقطاب الدعم الخارجي (IMF, 2023).
رابعًا: دور الدبلوماسية الاقتصادية في دعم لبنان
1. جذب الاستثمارات الأجنبية
تلعب الدبلوماسية الاقتصادية دورًا محوريًا في تحسين صورة الدولة الاستثمارية والترويج للقطاعات الواعدة، خصوصًا في الدول التي تمر بأزمات اقتصادية (UNCTAD, 2023). ويمكن للبنان الاستفادة من رأس ماله البشري وموقعه الجغرافي لجذب الاستثمارات إذا ما اقترنت الجهود الدبلوماسية بإصلاحات داخلية (OECD, 2020).
2. دعم الصادرات والتجارة الخارجية
تُسهم البعثات الدبلوماسية في تسهيل نفاذ المنتجات الوطنية إلى الأسواق الخارجية والتفاوض حول تخفيف القيود التجارية، ما ينعكس إيجابًا على ميزان المدفوعات (Woolcock, 2001).
3. العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية
تُعد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مثالًا واضحًا على ممارسة الدبلوماسية الاقتصادية، حيث يتطلب الحصول على الدعم المالي مصداقية سياسية والتزامًا بالإصلاحات الاقتصادية (IMF, 2023).
4. دور الاغتراب اللبناني
يشكّل اللبنانيون في الخارج عنصرًا استراتيجيًا في الدبلوماسية الاقتصادية، سواء عبر التحويلات المالية أو الاستثمار أو دعم صورة لبنان في المحافل الدولية (World Bank, 2022).
خامسًا: التحديات
رغم أهمية الدبلوماسية الاقتصادية، تواجه لبنان تحديات بنيوية أبرزها ضعف التنسيق المؤسسي، والانقسامات السياسية، وتراجع الثقة الدولية (Mansour, 2015؛ World Bank, 2023).
لهذا المفهوم للدبلوماسية الاقتصادية عدة نتائج هامة. أولها يُبرز تداخل الحدود بين السياسة الداخلية والأنشطة الاقتصادية الخارجية للدول.
فمن جهة، تبرز الدولة أكثر من أي وقت مضى كوسيط بين استراتيجيات الشركات، التي غالباً ما تُعتبر تهديداً، والتماسك الاجتماعي لبلادها. وتُناقش الآن السياسات التي تُعتبر عادةً داخلية بحتة، مثل تلك المتعلقة بالتعليم والنقل والضرائب، في سياق التنافسية الوطنية، التي تُعدّ أفضل وسيلة لتعزيز النمو ورفع مستوى المعيشة.
ومن جهة أخرى، تعتمد فعالية الدبلوماسية الاقتصادية للدولة على قدرتها على تطبيق نتائج مفاوضاتها محلياً. وتُجسّد الصعوبات التي واجهتها الحكومات الفرنسية في الحصول على قبول لإصلاحات السياسة الزراعية المشتركة، التي تم التفاوض عليها على المستوى الأوروبي أو ضمن اتفاقيات التجارة الدولية، هذه النقطة. وينتج تطبيق نتائج الدبلوماسية الاقتصادية بشكل أكبر عن خيارات سياسية تُمليها ديناميكيات القوة المحلية.
وأكثر من كونه نتيجة لتطبيق العقلانية الاقتصادية. إن إشراك جهات فاعلة أخرى غير الدول يؤكد أن الدول لا توجه تنظيم الاقتصاد العالمي، بل هي مجرد واحدة من الجهات الفاعلة التي تتفاوض بشأن مشاركتها وقدرتها على التأثير. وتضع الدول استراتيجيات لمحاولة الاستجابة للتغيرات في بيئتها الخارجية، المرتبطة بشكل خاص بقرارات الجهات الفاعلة الخاصة. ولكن، من خلال القيام بذلك، فإنها نفسها تساهم جدليًا في إعادة تعريف النظام الدولي. فالدول لا تختفي تحت وطأة قيد اقتصادي خارجي؛ بل تتغير ضمن إطار نظام دولي ديناميكي تساعد هي، إلى جانب جهات أخرى، في تشكيله.
ما هي الأولويات على جدول الأعمال؟
لا شك أن الأولوية الأولى للدول هي تزويد نفسها بالمتخصصين اللازمين لإدارة هذه الأوضاع المعقدة وفهمها. باستثناءات قليلة، لا يُولي الاقتصاديون اهتمامًا كبيرًا لقضايا القوة (التي لا يمكن قياسها كميًا)، كما أن المتخصصين في العلاقات الدولية لا يُبدون اهتمامًا كبيرًا بالمجال الاقتصادي خارج نطاق النهج التقليدي. ويبدو أن الدول الأنجلوسكسونية أكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي؛ فمنذ حوالي خمسة عشر عامًا، وهي تُدرّب هؤلاء المتخصصين في "الاقتصاد السياسي الدولي" الذين يتنقلون بسهولة بين التخصصات ويبنون جسورًا بين التاريخ والعلوم السياسية والاقتصاد وإدارة الأعمال. وقد تخلفت فرنسا نوعًا ما في هذا المجال، وهي فجوة سيتعين عليها سدها إذا أرادت ألا تتخلف عن الركب.
لقد غيّرت العولمة الاقتصادية شروط ممارسة الدبلوماسية الاقتصادية وميزان القوى. ويمكن تسليط الضوء على ثلاث نتائج. أولًا، فقدت الدول بعضًا من قوتها ونفوذها النسبيين لصالح الجهات الاقتصادية الخاصة. ثانيًا، أظهرت المراجعة الموجزة لاستراتيجيات الدول المختلفة تفاوت قدراتها على العمل في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، وبالتالي داخل مجتمعاتها. أخيرًا، وربما الأهم بالنسبة للمستقبل، تتطور مجالات "اللا حوكمة"، التي تفلت من الرقابة العامة أو الخاصة.
تُظهر التجارب الدولية أن الدبلوماسية الاقتصادية تشكّل أداة فعّالة لتحقيق التعافي الاقتصادي وتعزيز التنمية، شرط اقترانها بإصلاحات داخلية حقيقية ورؤية اقتصادية واضحة (Bayne & Woolcock, 2017). وبالنسبة إلى لبنان، تبقى الدبلوماسية الاقتصادية إحدى الركائز الأساسية للخروج من الأزمة واستعادة دوره الاقتصادي الإقليمي والدولي.
في السياق العالمي، تبرز أولوية ثالثة للدبلوماسية الاقتصادية، تتعلق بتحديد أخلاقيات اقتصادية دولية. وتُعد حماية المستهلك أحد مجالات تطبيقها. وتُظهر أزمة "جنون البقر" والجدل الدائر حاليًا حول التسويق الدولي للكائنات المعدلة وراثيًا، غياب القواعد في هذا المجال وضرورتها في آنٍ واحد. ولا تقتصر هذه الأولويات الثلاث على أي جهة فاعلة منفردة في النظام الدولي، بل تتطلب التوصل إلى حلول وسط بين السلطات العامة، وبين الجهات الفاعلة الخاصة، وبين السلطات الحكومية وغير الحكومية. وهي تُجسد تمامًا ضرورة التخلي عن النظرة التقليدية للدبلوماسية الاقتصادية، وإعادة تفسيرها استنادًا إلى تجارب التعاون بين الأوساط الأكاديمية والمهنية، سواء داخل هذه الأوساط أو خارجها.
الأكثر قراءة