بروفيسور في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتنمية الاقتصاديّة "AXISSED"
في لبنان اليوم، أصبح مبلغ الـ 100,000 دولار أميركي أكثر من مجرّد عدد. إنّه شعار، ودرع، وملاذ سياسي. يُكرَّر هذا العدد بلا نهاية في البيانات الرسمية، والمناقشات العامة، ويُقدَّم كدليل على أنّ العدالة ستتحقّق أخيراً: فنسبة 84% من المودعين، كما «يُقال» يقعون تحت هذا الحدّ الأدنى وسيستردّون «كامل» أموالهم. لكن، وراء هذه الإحصائية المطمئنة يكمن خطر أعمق؛ إذا اختُزِلت أزمة الودائع في سقف واحد، فإنّ لبنان يخاطر بتمرير قانون ينقذ النظام على الورق، بينما يحكم على الاقتصاد بالركود المطوَّل.
بعد 6 سنوات من الشلل الماليّ، لم يعُد المجتمع اللبناني يعاني من نقص في التشخيصات. ما ينقصه هو إطار للتعافي يتجاوز الحلول المحاسبية، ويواجه الواقع الاقتصادي لبلد يعاني من نقص الاستثمار، الثقة، ورأس المال الإنتاجي. قانون تنظيم البنوك والمؤسّسات المالية المقترح، في صيغته الحالية، لا يفعل أكثر من إدارة الخسائر. فلا يُعيد بناء الثقة، وبالتأكيد لا يؤهِّل النمو.
فالحُجّة القائلة بأنّ معظم المودعين «محميّون» لأنّ أرصدتهم تقلّ عن 100,000 دولار أميركيّ هي حجّة صحيحة من الناحية الفنّية، ومضلِّلة من الناحية الاقتصادية. إذ يُعامَل المودعون الذين تقلّ أرصدتهم عن هذا الحدّ كفئة واحدة، لكنّ واقعهم يختلف تماماً، إذ يصل متوسّط حجم الودائع في هذه الحسابات إلى 70,000 دولار أميركي، لـ1,5 مليون حساب فعلي في القطاع المصرفي اللبناني. فالمودعون لا يتمتّعون بالقدرة عينها على تحمّل فترات متفاوتة من التأخير في السداد.
من خلال تسطيح هذه الاختلافات، يُقدِّم القانون شكلاً جديداً من أشكال عدم المساواة، ويختبئ وراء لغة الحماية. والأسوأ من ذلك، نلاحظ أنّ السداد على مدى 4 سنوات في اقتصاد غير رسمي، ومُدَولر إلى أبعد الحدود، يعني أنّه يُطلب حتى من صغار المودعين تحمّل جزء من الأزمة، بالوقت، عدم اليقين، وفقدان القوّة الشرائية، فالحماية المتأخّرة تبقى حماية منقوصة.
إنّ خطّة إنعاش جادّة ستعترف بهذا التنوّع. وستُقدِّم شرائح متدرّجة أقلّ من 100,000 دولار، ممّا يسمح بسداد الودائع الصغيرة بشكل أسرع وأكثر حسماً. فالأمر ليس مجرّد مسألة عدالة اجتماعية؛ إنّها مسألة اقتصادية. فالسيولة التي تعود إلى الأُسر ذات المدّخرات المحدودة، من المرجّح أن تدعم الاستهلاك، التجارة المحلّية، والدورة الاقتصادية الأساسية، أكثر من السيولة الموزّعة على مدى سنوات.
وعندما نصل إلى فوق السقف «المرقوم»، يتبنّى القانون منطقاً مختلفاً على نحوٍ ملحوظ. إذ تُحوَّل الودائع إلى أدوات مالية طويلة الأجل، ممّا يحوّل المودعين فعلياً إلى دائنين متردّدين لنظام فقدوا الثقة فيه. قد يُخفِّف هذا النهج الضغط الفوري على ميزانيات المصارف، لكنّه يفعل ذلك على حساب تجميد رأس المال الذي يمكن أن يؤدّي دوراً في الانتعاش الاقتصادي.
غالباً ما تصوّر الرواية العامة كبار المودعين على أنّهم أقلّية مميّزة يمكنها قبول خسائرها، بل وحتّى إنّها ضرورية كما لو أنّها «كبش محرقة». تتجاهل هذه الرواية حقيقة مهمّة، مفادها أنّ العديد من هؤلاء المودعين هم رجال أعمال، أصحاب شركات، مهنيّون، أو أفراد من الجالية اللبنانية في الخارج، الذين موّلوا بدورهم القطاع الخاص في لبنان على مرّ التاريخ. فمعاملتهم على أنّهم مجرّد عبء ليس أمراً مُجحفاً وحسب، بل إنّه يؤدّي إلى نتائج عكسية من الناحية الاقتصادية.
ما يحتاجه لبنان ليس نهجاً عقابياً، بل نهجاً تحويلياً. فبدلاً من تجميد الودائع الكبيرة في أدوات تفتقد للسيولة وطويلة الأجل، يمكن للقانون أن يوجد مسارات مشروطة تشجّع على إعادة الاستثمار. كما يمكن ربط الاسترداد المبكّر الجزئي بالاستثمارات الإنتاجية، كالشركات الصغيرة والمتوسطة، الصناعات التصديريّة، البنية التحتية، الطاقة الخضراء، أو القطاعات المدفوعة بالابتكار. وبذلك، ستصبح المدّخرات المجمّدة أداة لإعادة الإعمار بدلاً من أن تكون تذكيراً بالفشل الإداري.
إنّ أحد أخطر الافتراضات التي يقوم عليها الإطار الحالي؛ أنّ تعويض المودعين الجزئي والبطيء يعادل الاسترداد. هذا أمر غير صحيح، إذ يتطلّب الاسترداد استعادة تدفّق رأس المال، الائتمان، والثقة. فمن دون استثمارات جديدة، يبقى الاقتصاد عالقاً بين الحياة والموت، وتُهيمن المعاملات النقدية، والأنشطة غير الرسمية.
هكذا، يركّز مشروع القانون بشكل حصري تقريباً على إعادة توزيع الخسائر الحالية. ولا يتناول بشكل ملموس كيفية توليد سيولة جديدة أو كيفية استئناف المصارف لدورها كوسطاء ماليِّين. ومن دون رأس مال جديد واستراتيجية نمو موثوقة، يخاطر النظام بأن يصبح حلقة مغلقة يُموَّل فيها سداد الودائع للمودعين من خلال مزيد من الانكماش الاقتصادي.
ويُفسِّر هذا النهج الثابت سبب استمرار عدم الثقة. فالمودعون لا يسألون فقط كم سيستردّون، بل أي نوع من الاقتصاد سيظهر بعد ذلك. ولا يمكن لإطار عمل لا يُجيب عن السؤال الثاني أن يعالج السؤال الأول بشكل كامل وجذري.
من ناحية أُخرى، يكمن ضعف هيكلي آخر في الاقتراح الحالي في المساءلة المحدودة الموكلة إلى الدولة. ففي حين أنّ المصارف والبنك المركزي يتمركزان في محور عملية التعديل، فإنّ دور القطاع العام في توليد الأزمة وتضخيمها لم يُعالج بنحوٍ كاف بعد. كما لا نستطيع استعادة الثقة من دون شفافية، اعتراف بالخسائر، وعواقب واضحة لسوء الإدارة في الماضي. ولا يمكن استعادتها إذا اعتقد المودعون أنّ التضحيات الحالية ستؤدّي فقط إلى تمويل الخلل الوظيفي في المستقبل. ومرّة أُخرى، نرى أنّ أي قانون استرداد يتجاهل هذا البعد يخاطر بأن يُصبح ترتيباً موقّتاً آخر، عرضة للتراجع السياسي.
علاوةً على ما ذُكِر، لا يمكن اختزال العدالة في استرداد الودائع في رقم واحد. فيجب أن تأخذ في الاعتبار التوقيت، القوّة الشرائية، الأثر الاقتصادي، والفرص المستقبلية. فالدولار الذي يُسترَدّ اليوم لا يُعادل الدولار الذي يُسترَدّ بعد 4 سنوات. والدولار الذي يُعاد استثماره بشكل منتج له قيمة اجتماعية مختلفة تماماً عن الدولار الذي يُجمَّد في أداة مالية لا يثق بها الكثيرون.
لذلك، بإدخال شرائح متباينة، أقلّ من 100,000 دولار وما فوقها، وآليات قائمة على الحوافز، يمكن للبنان أن يوفِّق بين العدالة الاجتماعية، والضرورة الاقتصادية. ومن شأن هذا النهج أن يعترف بأنّ المودعين ليسوا جميعاً متساوين، لكنّهم جميعاً حيويّون في عملية التعافي.
ختاماً، يقف لبنان عند مفترق طرق. يمكنه إقرار قانون ينظّم الخسائر، ويدّعي النجاح لأنّ غالبية المودعين يقعون تحت عتبة تعسّفية. أو يمكنه اغتنام هذه اللحظة لإعادة تعريف الانتعاش كمشروع اقتصادي، وليس مجرّد مشروع قانوني. فقد يساعد تحديد السقف في إقرار القانون، لكنّه ما زال يعجّ بالضبابية، ويطرح تساؤلات أكثر من حلول.
لذلك، يتطلّب الانتعاش الاقتصادي الشجاعة لتجاوز الحدود الرمزية، وتبنّي إطار ديناميكي يحفّز المدّخرات، ويُعيد دمجها في الحياة الإنتاجية. فلا يحتاج لبنان إلى آلية أخرى لإدارة الانحدار، بل رؤية تحوّل ما تبقى من رأس المال الخاصّ إلى أساس للنموّ. فمن دون هذا التحوّل، لن تنتهي الأزمة، بل ستُخفّف ببساطة على مرّ الزمن بطريقة «سرابيّة»، بتكلفة لم يعُد البلد قادراً على تحمّلها.