التجارب النووية تعيد أميركا إلى الحرب الباردة
د. خالد العزّي
Saturday, 22-Nov-2025 07:23

أعادت الولايات المتحدة أخيراً أجواء الحرب الباردة، من خلال سلسلة من اختبارات الطيران لقنبلة الجاذبية النووية B61-12، بالتزامن مع مقاتلة الشبح F-35، بعد تحديث القنبلة وتمديد فترة خدمتها لمدة 20 عاماً إضافية.

يرى الخبراء أنّ هذه الاختبارات تمسّ بشكل مباشر المصالح الأمنية الروسية، خصوصاً أنّ مئات من هذه القنابل مخزّنة في قواعد عسكرية أميركية منتشرة في أوروبا. ويُطرح التساؤل: هل يُعتبر هذا السلاح تهديداً استراتيجياً أم تكتيكياً؟ وما طبيعة الردّ الروسي المحتمل عليه، سواء كان متناظراً أم غير متناظر؟

 

تفاصيل الاختبارات الأميركية

أُجريت هذه التجارب بين 19 و21 آب 2025 في ميدان اختبار «تانوباه» بولاية نيفادا، فأُطلِقت وأسقِطت وحدات خاملة من القنبلة عبر طائرات F-35 من دون استخدام رؤوس حربية حقيقية.

 

أكّد الخبراء الذين راقبوا التجارب، أنّها حققت نجاحاً تاماً، ممّا يُثبت قدرة F-35 على حمل القنابل النووية وتنفيذ المهام القتالية المعتمدة عليها.

 

للمرّة الأولى في التاريخ، خضعت القنابل إلى اختبارات معالجة حرارية قبل الإطلاق، إذ عرض المهندسون هيكل القنبلة وأجهزتها الإلكترونية لدورات حرارية محكومة تحاكي ظروف التشغيل الواقعية. ويسمح الجمع بين الاختبارات المناخية واختبارات الطيران بالتصديق على موثوقية الترسانة النووية من دون الحاجة إلى تفجيرات فعلية، بالإضافة إلى تدريب أطقم الطيران على تنفيذ المهام القتالية.

 

في نهاية عام 2024، أنهت الإدارة الوطنية الأميركية للأمن النووي برنامج تمديد عمر قنابل B61-12، ما يسمح باستخدامها لـ20 عاماً أخرى على الأقل.

 

العودة إلى الجدال النووي

 

عاد الجدل النووي إلى الواجهة، بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيراً عن نيّته إجراء تجارب نووية مستقبلية، مؤكّداً: «سنُجري تجارب نووية، لأنّ الآخرين يُجرون هذه التجارب». وعندما سُئل عن التوقيت، أجاب: «قريباً جداً»، من دون أن يوضّح ما إذا كانت تلك التجارب ستشمل تفجير رؤوس حربية حقيقية.

 

السلاح الأميركي الحديث: تهديد مباشر لروسيا

 

الاختبارات الأميركية تمسّ المصالح الروسية بشكل مباشر، خصوصاً أنّ قنابل B61-12 مخزّنة في قواعد أميركية داخل أوروبا.

 

هذه القنبلة تختلف عن النماذج السابقة بوجود نظام انزلاق يسمح لها بالتحليق لعشرات الكيلومترات، ما يضمَن دقّة عالية وتحكّماً مُحكَماً أثناء الطيران، ويُتيح للطائرة إسقاطها من دون أن تتأثر بموجة الصدمة النووية.

 

القنبلة مزوّدة بخيارات متعدّدة للرؤوس الحربية تتراوح قوّتها بين 0,7 و50 كيلوطناً، ويبلغ طولها نحو 3,6 أمتار ووزنها حوالى 825 كغ. صُمِّمت القنبلة لتتوافق مع مقاييس التخزين والطائرات الحديثة، لتحل محل نُسَخ سابقة من قنابل B61 في نموذج موحّد، متكامل مع مقاتلات الشبح F-35 التي تتميّز بقدرتها على امتصاص إشارات الرادار، ممّا يجعلها شبه غير مرئية على شاشات الرادار.

 

وتشير التقارير إلى أنّ الولايات المتحدة تخطط لاختبار هذه القنابل بالتزامن مع قاذفاتها الاستراتيجية الجديدة B-21 Raider.

 

وبعد استكمال هذه التجارب، ستكون F-35 قادرة على تنفيذ ضربات نووية دقيقة منخفضة القوة لتدمير أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة، ممّا يُتيح للطائرات التقليدية العمل بحرية في أجواء العدو. وهذا يجعلها أداة فعالة للضربات النووية الاستباقية.

 

إعادة إنشاء قواعد لتخزين قنابل B61-12 في بريطانيا، بلجيكا، هولندا، إيطاليا، وألمانيا، واحتمال نشرها أيضاً في تركيا، تعيد إلى الأذهان منطق الحرب الباردة القائم على الضربة الاستباقية. تشير التقديرات إلى أنّ حوالى 100 قنبلة نووية أميركية من هذا النوع موزّعة في القواعد الأوروبية.

 

تطوير مستمر للأسلحة النووية التكتيكية

تُعدّ B61-12 السلاح النووي التكتيكي الأميركي الرئيسي في أوروبا، وتخضع إلى تطوير مستمر منذ سنوات. لكنّ هذا التطوير بات اليوم يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية، خصوصاً في ظل تصريحات ترامب حول العودة إلى التجارب النووية.

 

إعلان هذه التجارب ليس صدفة، بل يتزامن مع تصاعد التوتر في أوكرانيا وازدياد حدّة المواجهة مع روسيا، ممّا يعكس إصرار واشنطن على الحفاظ على مكانتها كقوّة مهيمنة عالمياً.

 

ردّ روسي محتمل

الخطوات الأميركية قد تكون رداً مباشراً على إعلان الرئيس فلاديمير بوتين نجاح روسيا في اختبار أسلحتها الاستراتيجية الحديثة، مثل الطائرة المسيّرة النووية «بوسيدون» والصاروخ العابر للقارات «بوريفيستنيك». بينما تمتلك موسكو ترسانة نووية محدّثة، لا تزال واشنطن تعتمد على صواريخها القديمة من طراز «مينيوتمان»، في حين تمتلك روسيا الصاروخ RS-28 Sarmat، الذي يُعتبر الأقوى في العالم.

 

مخاطر متصاعدة في الخريطة العالمية

هذه التجارب تساهم في تآكل الاستقرار الاستراتيجي العالمي، وتُقرِّب العالم من وضع تقلّ فيه عتبة استخدام الأسلحة النووية، ممّا يزيد خطر اندلاع صراع نووي نتيجة تصعيد الحروب التقليدية.

 

الخبراء يرَون أنّ «الخطر الحقيقي يأتي من الجانب الأميركي، إذ يطغى منطق الغرور السياسي والعسكري، خصوصاً في أوروبا»، بينما تُسرّع كل من الهند والصين تطوير ترسانتَيهما النوويّتَين، ممّا يدفع روسيا بدورها إلى مواصلة تحديث أسلحتها الاستراتيجية.

 

وفي الوقت الذي تحاول فيه روسيا طرح مبادرات دبلوماسية وإعلامية للحدّ من سباق التسلّح، تتصرّف الولايات المتحدة وكأنّها تتبع منطق «الكاميكازي»، في سباق قد يقترب من نقطة الانفجار.

 

الردّ الروسي: متناظر وغير متناظر

 

الخبراء الروس يؤكّدون أنّ لدى موسكو مجموعة واسعة من الخيارات، تشمل إجراءات عسكرية وتقنية قصيرة وطويلة المدى لتعزيز قدراتها الدفاعية والردعية، مثل نشر منظومات S-350 فيتياز وS-400 وS-500 المتقدّمة، بالإضافة إلى استهداف قواعد F-35 ومستودعات القنابل النووية الأميركية في أوروبا.

 

وقد تشمل الأولويات الروسية تنفيذ ضربة استباقية بأسلحة نووية تكتيكية، مثل استخدام صواريخ «أوريشنيك» غير النووية أو صواريخ «إسكندر» المحدثة بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر. كما يمكن اللجوء إلى صواريخ «كروز» لضرب المطارات ومواقع تخزين الأسلحة النووية الأميركية، إلى جانب تطوير قدرات اعتراض فعّالة لمواجهة طائرات F-35 والقنابل B61-12 عند اقترابها من الأجواء الروسية.

 

إذاً، تدل هذه التطوّرات إلى أنّ العالم يدخل مرحلة جديدة من سباق التسلّح النووي، إذ تتسارع الدول الكبرى نحو تحديث ترساناتها استعداداً لمواجهة محتملة.

 

وبذلك، تعود الحرب الباردة إلى الواجهة، لكن في عصر أكثر خطورة، يمتلك فيه كل طرف القدرة على تدمير الآخر خلال دقائق معدودة.

الأكثر قراءة