Frankenstein: مخلوق ديل تورو ينهض مجدّداً
أليسا ويلكنسون- نيويورك تايمز
Saturday, 25-Oct-2025 06:55

إنّ تفسير المخرج غييرمو ديل تورو لرواية ماري شيلي الكلاسيكية هو الفيلم الذي وُلد ليصنعه.

عندما نشرت ماري شيلي روايتها «فرانكشتاين؛ أو بروميثيوس الحديث» عام 1818، كانت الصفحة الأولى تحمل اقتباساً كاشفاً من «الفردوس المفقود» لملتون، إذ يوبّخ آدم، المفعم باليأس، الله قائلاً: «هل طلبتُ منك، يا صانعي، أن تصوغني من الطين وتخلقني إنساناً؟ هل توسلتُ إليك أن تُخرجني من الظلام إلى النور؟».

 

بكلمات أخرى، يسأل المخلوق خالقه: «هل طلبتُ أن تخلقني؟ لم أطلب أن أكون هنا، وها أنتَ تحكم عليّ بحياة من الألم».

 

رواية شيلي مليئة بالإشارات الأدبية والفلسفية والأسطورية. لكنّ «الفردوس المفقود» يبدو الأكثر جوهرية؛ إذ كتبت شيلي في مذكّراتها خلال الشهر الذي بدأت فيه تأليف الرواية، أنّ زوجها، الشاعر بيرسي بيش شيلي، كان يقرأ لها يومياً من ملحمة ملتون. الشخصيات الأساسية في روايتها تعكس بوضوح تلك التي في «الفردوس المفقود»: إله خالق قادر على كل شيء، وشيطان بطل مأساوي هو الملاك الساقط الذي حاول أن يغتصب سلطة الله، وآدم، المخلوق المهجور من خالقه في عالم لا يفهمه. حتى مخلوقها يصل إلى الوعي الذاتي عبر قراءته لكتاب «الفردوس المفقود».

 

في نسخته الخاصة من «فرانكشتاين»، يغوص غييرمو ديل تورو بعمق في «الفردوس المفقود»، مع لمسته الخاصة. افتُتنت حياة ديل تورو منذ طفولته بقصة فرانكشتاين، وكان مولعاً بمشاهدة بوريس كارلوف يؤدّي دور المخلوق في فيلم عام 1931 الكلاسيكي، الذي ما زال معظمنا يتصوّره حين يُفكّر في فرانكشتاين. مثل أجيال من القرّاء والمشاهدين، انجذب ديل تورو إلى المأساة والرهبة والجمال الغريب الكامن في القصة.

 

لكنّ هذا «الفرانكشتاين» يحمل بصمة ديل تورو الكاملة، كل تفصيل فيه يدل إليه. إنّه عمل غني، ميلودرامي، رومانسي إلى حدٍّ الانغماس، ومفعم بالعاطفة الجارفة. قصة عن الآباء والأبناء، العشاق والمنبوذين، وعن الإنسان باعتباره الوحش الحقيقي. مخلوقات مهجورة تحاول فهم عالم قاسٍ لا يرحم، وخالقوها، أي آباؤها، لم يفهموه بدورهم يوماً. هيكل رواية شيلي موجود، لكنّ اللحم الذي يغلّفه هو من صنع ديل تورو.

 

ربما تعرف الخطوط العريضة للقصة، لذا تكفي بعض الملاحظات: تدور أحداث الرواية الأصلية في ألمانيا وسويسرا أواخر القرن الـ18، لكنّ ديل تورو ينقلها إلى إنكلترا الفيكتورية، أي بعد نحو 60 عاماً، قبل أن تنتقل القصة إلى القارة الأوروبية. كما جرى تبسيط بعض النقاط الدرامية، وسيلتقط المتشدّدون اختلافاتها فوراً.

 

لكن على رغم من كل هذه التغييرات، يبقى قلب القصة حاضراً. سفينة الكابتن أندرسون، المتّجهة نحو القطب الشمالي، علقت في الجليد. يرى أندرسون (لارس ميكلسن) ورجاله انفجاراً في البعيد، ثم يعثرون على رجل جريح على السطح المتجمّد. يأخذونه إلى bordo، ليكتشفوا أنّه الدكتور فيكتور فرانكشتاين (أوسكار آيزاك)، الذي يبدو على شفير الموت. يروي لهم قصّته: طفولة سعيدة انقلبت مأساوية بعد وفاة والدته أثناء إنجاب شقيقه وليام. هذا الحدث دفعه إلى التحدّي الأعظم: هزيمة الموت نفسه، أي تحدّي الله. وعندما أصبح طبيباً، أثارت أبحاثه في هذا المجال استهجان الكلية الملكية للطب وجعلت منه منبوذاً.

 

لكنّه التقى بهرّ هارلاندر (كريستوف فالتز)، تاجر أسلحة ثري، كانت ابنة أخته الجميلة والغامضة إليزابيث (ميا غوث) مخطوبة لوليام (فيليكس كاميرر)، وقد أصبح شاباً يافعاً. عرض هارلاندر تمويل أبحاث فيكتور، وهكذا بدأ سعيه. وفي إحدى الليالي وقع ما لا يمكن تخيّله: جسد مركّب من أشلاء جثث جُمعت من ساحة معركة دبّت فيه الحياة أثناء عاصفة كهربائية مرعبة، فُولِد مخلوقه (جاكوب إلوردي)، إن جاز التعبير، إلى هذا العالم.

 

وبخلاف النسخ السابقة التي تصوّر مخلوق فرانكشتاين كغول أبكم شبه حيواني، فإنّ مخلوق ديل تورو يتمتع بقدرة على التفكير والكلام المعقّد، وإن كان يكتسبها تدريجاً. إلوردي، الذي يبلغ طوله نحو مترَين تقريباً، يؤدّي الدور كطفل طويل القامة يكتشف العالم للمرّة الأولى. أمّا آيزاك، فيقدّم فيكتور كأبٍ مبهور بوليده في البداية، سرعان ما يغرق في اكتئاب يشبه ما بعد الولادة، ثم يتحوّل إلى الغضب والأنانية عندما يرفض مخلوقه الخضوع لأهوائه.

 

طاقم التمثيل مميّز، لكنّ إلوردي يسطع بين الجميع. على رغم من طبقات المكياج الكثيفة، اختار ديل تورو أن يمنح بشرة المخلوق لوناً أزرق باهتاً، أشبه بلون الجثث، بدلاً من الأخضر الذي اعتادته السينما. هو شبه جميل، لكنّه غير بشري؛ يبدأ بريئاً ثم يتدهور تدريجاً، محطّم القلب من خالقه أولاً، ثم من العالم بأسره. على إلوردي أن يتحرّك كطفل، ثم كحيوان، ثم كرجل، ثم كتهديد؛ أداء متكامل يستحق كل تقدير.

 

هذا «الفرانكشتاين» أكثر اختصاراً من رواية شيلي (بحكمة)، لكنّه مليء بطبقات سردية وموضوعية دقيقة، يصعب حصرها جميعاً. جنون فيكتور العلمي يظل في خلفية الأحداث، يلوّن تصرفاته ويُضفي عمقاً على تصريحاته. إدخال عنصر تكنولوجي يعود إلى العصر الفيكتوري يُبرّر نقل الخط الزمني إلى الأمام، ويمنح في الوقت عينه لحظة اكتشاف الذات لدى المخلوق بعداً مأساوياً مؤثراً.

 

لكن ما لم أستطع التوقف عن رؤيته في «فرانكشتاين» هو ملتون. فثمة إعادة تركيب لاهوتية معقّدة في رواية شيلي، وتناقش مفاهيم مثل نسمة الله والروح. ينقل ديل تورو كل هذا، فيجعل فيكتور يصرخ: «لقد تمّ الأمر!» عند اللمسة الأخيرة على جسد المخلوق، ثم يرفعه على ألواح خشبية في وضع صليب واضح. يُكرّر المُخرِج الصور المَلَكِيّة؛ ويجعل مخلوقه هو الآخر يقرأ من «الفردوس المفقود» ويتساءل عن سبب خلقه.

 

وبهذا، يُعيد ديل تورو كتابة ملتون أيضاً، محاولاً تعديل نهاية العملَين معاً. ما إذا كان ذلك مُرضياً أم لا يعتمد على المُشاهد. لكنّي أشعر أنّ هذا الفعل هو محاولة يائسة، ناقصة، لكنّها مشبعة بالحب.

الأكثر قراءة